ضيف مسلسل ميد تيرم الغامض!
انتهى منذ فترة قريبة عرض مسلسل ميد تيرم على المنصات، وهو في رأيي من أفضل المسلسلات التي تم إنتاجها في الفترة الأخيرة، من تأليف ورشة براح التي يشرف عليها الكاتب محمد صادق، وإخراج مريم الباجوري، وبطولة الفنانة الموهوبة ياسمينا العبد، وجلا هشام، ويوسف رأفت، ومجموعة من الفنانين الشباب الموهوبين.
وحمل تتر المسلسل شعار وزارة التعليم العالي والبحث العلمي بصفتها راعية للمسلسل، وخلال الفترة التي تم فيها بث حلقات المسلسل على منصة wach it كان بعض المشاهدين - وأنا منهم- يتساءلون عن أهمية شخصية عبدالله الشاب السعودي الذي يدرس في الجامعة المصرية التي تدور أحداث المسلسل بين جدرانها، والتي أداها الفنان السعودي محمد النايف..
وكانت تساؤلات الناس عن عبد الله، تأتي جميعها من منطلق أنه ليس له دور فاعل في الأحداث، لدرجة جعلت المشاهد يشعر بأنه مقحم على أي مشهد يشارك فيه، ووصل الأمر إلى غياب الشخصية عن المسلسل لعدة حلقات متوالية.
ولأنني لاحظت جودة البناء الدرامي لكافة شخصيات المسلسل، سواء الشباب، أو آبائهم وأمهاتهم، فقد اندهشت من سطحية شخصية عبد الله وعدم تماسك القصة الفرعية الخاصة به، على عكس باقي الخطوط الدرامية التي تحكي لكل واحد من أبطال المسلسل قصة متماسكة تشمل دوافعه وأحلامه وتاريخ حياته وفقا لما يقتضيه بناء الشخصيات الدرامية.
وظللت على حيرتي إلى أن شاهدت فيديو تعلق فيه الإعلامية ديانا الضبع على رعاية وزارة التعليم العالي للمسلسل، وكشفت ديانا - والعهدة عليها- أن قيمة هذه الرعاية هي 40 مليون جنيه، دفعتها الوزارة من ميزانية صندوق رعاية النوابغ والمبتكرين في الجامعات المصرية الذي تم تأسيسه بقرار من الرئيس عبد الفتاح السيسي عام 2019.
وقالت الإعلامية إن من بين بنود عقد الرعاية بين الوزارة وصناع المسلسل، أن يسهم المسلسل في الدعاية والترويج للجامعات المصرية في منطقة الخليج، وهنا يطل عبد الله برأسه، وتنتهي حيرتنا، فالموضوع - كما يبدو- حيلة لجأ إليها فريق الكتابة للوفاء بهذا الشرط أمام الجهة الراعية، وهو ما يفسر سطحية الشخصية، وضعف الخط الدرامي الخاص بها..
فقد حل صديقنا عبد الله - السعودي محمد النايف- ضيفا على قصة ليس له دور فيها، وعندما كان فريق الكتابة يعجز عن إقحامه في المشاهد، كان عبد الله يغيب عدة حلقات للدرجة التي تجعل رواد السوشيال ميديا يتندرون عليه ويدعون أنه حصل على بقية أجره وعاد للسعودية.
وإذا تغاضينا عن القواعد التي تؤكد أن كل شخصية في المسلسل لا بد أن يكون لها خط درامي متماسك ومتماس مع الخط الدرامي الرئيسي للمسلسل، فإننا لن نستطيع تجاهل حقيقة مهمة، هي أن وجود عبد الله في المسلسل، قد يأتي بنتائج عكس الهدف المقصود من وجوده، إذ كيف يمثل وجود طالب سعودي دعاية للجامعات المصرية، بينما أحداث المسلسل تكشف حقيقة الفساد الاجتماعي والأخلاقي الموجود في تلك الجامعات؟
فنحن أمام طلاب جميعهم أصحاب شخصيات مشوهة، جاءوا من أسر مفككة، ويحاولون التعامل مع واقعهم بأحط وأقذر السبل، فنراهم يراقبون بعضهم البعض ويخترقون هواتف زملائهم، ويدبرون لهم المكائد، وإن كان فريق الكتابة قد حرص على أن يكون عبد الله هو الناجي الوحيد من هذه المكائد، ليس لأن الخط الدرامي الخاص به يستلزم ذلك، وإنما لأنه واجهة الدعاية للمسلسل في الخليج وفقا لشروط الرعاية!
وقد أشرت في مقال سابق، إلى ظاهرة رعاية الوزارات الحكومية للأعمال الدرامية، وقلت وقتها إن الظاهرة طيبة وقد تشجع المنتجين على تناول قضايا مهمة، طالما أن جزءًا من ميزانية العمل سوف تتحمله جهات حكومية، لكنني كنت متخوفا من فرض الرعاية لشروطها غير الفنية على تلك الأعمال.
وأعتقد أن إضافة شخصية عبد الله لمسلسل ميد تيرم دليل على أن تلك المخاوف في محلها، رغم أنني -شخصيًا- أرى أن مسلسل ميد تيرم كعمل درامي يستحق رعاية وزارة التعليم العالي له، بل وجهات أخرى أيضا، بشرط أن تتوقف تلك الجهات -وعلى رأسها وزارة التعليم العالي- عن التعامل مع العمل الفني باعتباره إعلانًا مباشرًا يحقق هدفا تجاريا للوزارة أو الجهات التابعة لها، وهي في حالتنا الجامعات الخاصة.
لأن مناقشة قضايا الأجيال الجديدة من طلاب الجامعات، وطرح همومهم ومشاكلهم، هو مهمة اجتماعية قومية يجب أن تحرص الوزارات المعنية عليها، بل وتتشرف برعايتها، وأن كنت أتضامن مع الإعلامية ديانا الضبع في دهشتها من تمويل مسلسل ميد تيرم بجزء من موازنة صندوق رعاية المبتكرين والنوابغ في الجامعات، الذي يبدو من اسمه أن الدور المنوط به لا يمكن أن يتضمن تمويل إنتاج مسلسل درامي مثل ميد تيرم!
