رئيس التحرير
عصام كامل

كيف نستغل شهر شعبان في الاستعداد للعبادة خلال رمضان؟ الأوقاف توضح المنهج النبوي

الصلاة
الصلاة
18 حجم الخط

أوضحت  وزارة الأوقاف عبر منصتها الرقمية أن المنهج النبوي في استثمار شهر شعبان كمنطلق أصيل لتحقيق ديمومة العبادة في رمضان وما بعده، تطبيق عملي لفلسفة وصال الطاعات الزماني التي تنقل المؤمن من عارِضِ الطفرة الإيمانية إلى مقام الاستقامة الراسخ.

فلسفة الزمن وصناعة الاتصال الروحي في المنهج النبوي

إن المتأمل بعين البصيرة في النسق النبوي يدرك أن الزمان ليس مجرد أوعية فارغة، بل هو مجالات حيوية لصياغة الإنسان، ففي مدرسة النبوة، لا يُنظر إلى رمضان كشهر منعزل، بل كذروة لمسار يبدأ من قبل شهر شعبان، إن صناعة الاستمرارية الإيمانية هي المقصد الأسمى لتنوع مواسم الطاعات؛ حيث يتم تطويع النفس لتعتاد القُرب الإلهي. 

وكما أن الحروف المقطعة في أوائل السور هي إشارة لـعجز العقل عن الإحاطة بكل أسرار الوحي، فإن تتابع المواسم الإيمانية إشارة لعجز النفس عن الاستقامة دون تمهيد وتربية بتنويع العبادات، فالمنهج القويم يقتضي أن يسبق "عالم الشهادة" (العمل الظاهر في رمضان) إعدادٌ حقيقي في "عالم الغيب" (النية والتهيؤ في شعبان) لِيُدركَ المؤمن أنَّ قدرةَ الاستمرار على الطاعة مَدَدٌ من الخالق لا مجرد جهد من الـمخلوق.


شعبان عتبة التخلية وبوابة اليقين


يُمثل  شهر شعبان في الرؤية النبوية مقام التذكير المعرفي والعملي؛ حيث يُدرب النبي  - صلى الله عليه وسلم -  أمته على عمارة أوقات الغفلة، وفي هذا المقام يبرز الحديث النبوي الشريف كأصلٍ للمنهج: «ذَلِكَ شَهْرٌ يَغْفُلُ النَّاسُ عَنْهُ بَيْنَ رَجَبٍ وَرَمَضَانَ، وَهُوَ شَهْرٌ تُرْفَعُ فِيهِ الْأَعْمَالُ إِلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ، فَأُحِبُّ أَنْ يُرْفَعَ عَمَلِي وَأَنَا صَائِمٌ» [سنن النسائي:٢٣٥٧]، إن نفي "الرَّيبِ" في اليقين الإيماني يبدأ من صِدق العمل في الخفاء؛ فمن غَلَبَهُ "اليقينُ" في شعبان لِتزكية إيمانهِ بمواطن التكليف، نال الفتح في رمضان، فشعبان هو مدرسة التخلية من علائق الغفلة، تمهيدًا لـ التحلية بأنوار الفريضة، وهو تطبيق عملي لقوله تعالى: ﴿فَإِذَا فَرَغۡتَ فَٱنصَبۡ * وَإِلَىٰ رَبِّكَ فَٱرۡغَب﴾ [الشرح: ٧-٨].

منطق ديمومة الطاعات في مواجهة مفهوم العبادة الموسمية

إن المعجزة الحقيقية في حياة المسلم هي "ديمومة الاستقامة"، المنهج النبوي يسعى لتحويل الفعل الإيماني إلى "ملكَة" راسخة لا تزول بذهاب الهلال، فإن الإيمان بما فوق العقل يقتضي رسم حدود للنفس؛ فالنفس تمَلُّ وتكَلُّ، ولكن بالاستمرارية التي تبدأ في شعبان، يخرج المؤمن من ضيق "المحسوس" إلى سعة "القدوس"، إن هندسة الاستمرارية تعني الانتقال من "الطفرة" التي يعقبها فتور، إلى "الديمومة" التي يتبعها ترقٍّ، عَنْ عَائِشَةَ – رضي الله عنها - أَنَّهَا قَالَتْ: سُئِلَ النَّبِيُّ  - صلى الله عليه وسلم -: أَيُّ الْأَعْمَالِ أَحَبُّ إِلَى اللهِ؟ قَالَ:« أَدْوَمُهَا، وَإِنْ قَلَّ، وَقَالَ: اكْلَفُوا مِنَ الْأَعْمَالِ مَا تُطِيقُونَ.» [صحيح البخاري: ٦٤٦٥]، فالعروج بالروح إلى معارج القبول والإيمان يبدأ من ثبات الخطوات على أرض شعبان.


آليات التدريب الروحي قبل حلول مواسم الشعائر والقربات


إن محاولة بلوغ ذروة الإيمان في  رمضان دون إعداد في شعبان هي خَطأ مَنهجي؛ فالرحلة الإيمانية لا تعتمد على "قوة العبد الذاتية"، بل على "توفيق الله له"، ومن لطيف الإشارات النبوية في مقام الإعداد الروحي ما ورد في الصحيح من أن تهيئة الروح تقتضي وعاءً نقيًا: «...إِذْ أُتِيتُ بِطَسْتٍ مِنْ ذَهَبٍ مُلِئَ حِكْمَةً وَإِيمَانًا، فَشُقَّ مِنَ النَّحْرِ إِلَى مَرَاقِّ البَطْنِ، ثُمَّ غُسِلَ القَلْبُ بِمَاءِ زَمْزَمَ، ثُمَّ مُلِئَ حِكْمَةً وَإِيمَانًا» [البخاري: ٣٢٠٧]، لذلك فإكثار المسلم من الطاعات في شعبان يمثل عملية "مَلءِ القلب بالحكمة" والإعداد اللدني لـتحمل عظمة رمضان، فالإيمان بالاستمرارية يحتاج إلى "وعاءٍ" قلبيٍّ سليم قبل الممارسة البدنية.


موقف الإسلام من الانقطاع عن العبادات بعد مواسم الطاعات


يقف الإسلام موقفًا حازمًا من اختزال الإيمان في أزمنة محددة مع إهمال سائر العمر ؛ فرب رمضان هو رب شعبان وهو رب سائر الشهور والأعوام. إن الفلسفة الإسلامية للوقت تقوم على الاستغراق الكلي في العبودية، والآيات القرآنية صريحة في طلب الدوام على الطاعة حتى لحظة اللقاء الأخير: ﴿ وَٱعۡبُدۡ رَبَّكَ حَتَّىٰ یَأۡتِیَكَ ٱلۡیَقِینُ﴾ [الحجر: ٩٩]. فالموقف الشرعي يعتبر أن الانقطاع الكلي بعد رمضان هو علامة على خَلل في تصور العبادة، بينما الاستمرارية التي بدأت نواتها في شعبان هي أمارة القبول والفتح الإلهي.


إن منهج النبوة في صناعة الاستمرارية الإيمانية يعلمنا أن الحقيقة الغيبية للطاعة أكبر من الارتباط الزمني الـمُجرَّد؛ فمن صَدَقَ في شعبان طوى الله له مسافات الفُتور في رمضان وجعل له نورًا يمشي به في الناس حتى يلقاه إن السلام على من صاغ لنا هذا المَسلك لنكون عبادًا ربانيين لا رمضانيين؛ فالاستمرارية ليست عِبئًا بل هي دليل الصدّيقية التي لا تسأل عن كيفية الوَصْل بل تنغمس في طاعة قائل الأمر سبحانه، وبذلك يتحقق الثبات وينال المؤمن رضا الرب بإيمان لا يعرف الانقطاع أبدًا، حيث يغدو الزمان كله وعاءً لترقي الروح واتصالها بخالقها في كل حين وآن، إن عمارة وقت الغفلة في شعبان هي التي تُؤمِّنُ للقلب مَدَدَه في رمضان، وهي الضمانة لعدم نكوص النفس على عقبيها بعد انقضاء الشهر الفضيل. وبهذا النسق المحمدي الرصين، يخرج الإنسان من ضيق العبادة الموسمية إلى رحابة الاستقامة الدائمة التي هي عين الكرامة وأصل الفلاح في الدارين.

الجريدة الرسمية