رئيس التحرير
عصام كامل

ترامب vs المالكي.. هل يعود العراق إلى زمن «النفط مقابل الغذاء»؟.. تشكيل الحكومة يجدد الخلافات.. ومخاوف من عودة التهديدات الأمريكية

أزمات تشكيل الحكومة
أزمات تشكيل الحكومة العراقية
18 حجم الخط

في لحظة سياسية شديدة الحساسية، يجد العراق نفسه مجددًا عند تقاطع حاد بين الإرادة الوطنية والضغوط الخارجية، مع احتدام الخلاف حول تشكيل الحكومة الجديدة، وعودة اسم نوري المالكي إلى واجهة المشهد السياسي، وما تبعه من تهديدات أمريكية مباشرة أعادت إلى الأذهان أحد أكثر الفصول قسوة في تاريخ الدولة العراقية: مرحلة «النفط مقابل الغذاء».
فهل نحن أمام إعادة إنتاج ناعمة لذلك السيناريو، أم أن العراق ما زال يملك هامشًا لتفاديه؟

مشهد سياسي مأزوم وانقسام حاد

أفرزت الانتخابات البرلمانية التي جرت في نوفمبر 2025 مشهدًا سياسيًا منقسمًا، انعكس بوضوح على تعقيدات تشكيل الرئاسات الثلاث، ولا سيما منصب رئيس الوزراء، ومع انسحاب محمد شياع السوداني من سباق الترشيح بعد فقدانه دعم الأغلبية داخل الإطار التنسيقي الشيعي، عاد نوري المالكي إلى الواجهة بدعم قوى نافذة داخل الإطار، في مقابل اعتراضات واسعة من قوى سنية وشخصيات سياسية مستقلة، حذرت من «إعادة تدوير تجارب سياسية ارتبطت بإخفاقات أمنية واقتصادية لا تزال آثارها ماثلة».

هذا الانقسام الداخلي فتح الباب واسعًا أمام تصاعد الضغوط الخارجية، خاصة من جانب الولايات المتحدة.

ترامب يلوّح بالعقوبات

الرئيس الأمريكي دونالد ترامب انتقل من الرسائل الدبلوماسية غير المعلنة إلى التهديد العلني، معلنًا رفضه تكليف نوري المالكي بتشكيل الحكومة الجديدة، ومهددًا بوقف المساعدات الأمريكية للعراق إذا تم المضي في هذا المسار.

هذا التهديد أعاد إلى الذاكرة العراقية أدوات الضغط الاقتصادي التي استخدمت في تسعينيات القرن الماضي، حين جرى إخضاع العراق لنظام «النفط مقابل الغذاء»، بما مثّله من انتهاك فعلي للسيادة وتحويل معيشة المواطنين إلى ورقة ضغط سياسية.

المالكي بدوره رفض هذه التهديدات، واعتبرها تدخلًا سافرًا في الشأن العراقي، داعيًا القوى السياسية إلى الدفاع عن القرار الوطني المستقل.

توم باراك: تشخيص صادم للمشهد العراقي

في خضم هذا التصعيد، جاءت تصريحات توم باراك، مبعوث ترامب إلى المنطقة، لتكشف بوضوح طبيعة النظرة الأمريكية للعراق. ففي لقاء تلفزيوني، قال باراك إن «العراق في حالة فوضى، وإن القتال الإيراني من أجل العراق هائل، وإن سلطة رئيس الوزراء تساوي صفرًا».
هذا التوصيف لم يكن مجرد رأي إعلامي، بل رسالة سياسية مباشرة. فالفوضى التي أشار إليها باراك سياسية واقتصادية وأمنية، تعكس عجز الطبقة الحاكمة عن إنتاج توافق مستقر. أما حديثه عن «القتال الإيراني»، فيعكس القلق الأمريكي من تغلغل النفوذ الإيراني، بينما تكشف عبارة «السلطة = صفر» عن إدراك واشنطن لوجود دولة بسلطات شكلية، تقابلها قوى مسلحة فاعلة على الأرض.

رخا أحمد حسن: النفط مقابل الغذاء يعود بصيغة جديدة

وفي قراءة أكثر عمقًا، يحذر مساعد وزير الخارجية الأسبق السفير رخا أحمد حسن من خطورة المرحلة، معتبرًا أن الولايات المتحدة لا تتعامل مع العراق كدولة ذات سيادة مكتملة، بل كملف أمني–اقتصادي قابل للضغط وإعادة الضبط.

ويؤكد رخا أحمد حسن أن تهديدات ترامب لا تتعلق بشخص نوري المالكي بقدر ما تعكس رفضًا أمريكيًا لولادة حكومة لا تنسجم مع المصالح الاستراتيجية لواشنطن، مشيرًا إلى أن أخطر أدوات الضغط تكمن في السيطرة غير المباشرة على النظام المالي العراقي، من حركة الدولار، إلى التحويلات، إلى نافذة بيع العملة.

ويرى أن الحديث عن العودة إلى «النفط مقابل الغذاء» ليس مبالغة، بل تحذير واقعي، موضحًا أن القيود اليوم «أكثر ذكاءً وأقل ضجيجًا»، لكنها قد تؤدي عمليًا إلى نتائج مشابهة، خاصة في ظل هشاشة الاقتصاد العراقي وارتفاع مستويات الدين.

اقتصاد هش وذاكرة العقوبات

تعزز المؤشرات الاقتصادية هذا القلق؛ إذ تشير البيانات الرسمية إلى ديون خارجية تُقدّر بنحو 13 مليار دولار، ودين داخلي تجاوز 89 تريليون دينار، مع اعتماد شبه كامل على عائدات النفط. أي تضييق أمريكي على النظام المالي أو التحويلات الدولارية قد يتحول سريعًا إلى أزمة معيشية مباشرة، ما يمنح واشنطن ورقة ضغط شديدة التأثير.

دكتور غازي الفيصل: الأزمة بنيوية لا شخصية

من جانبه، يرى مدير المركز العراقي للدراسات الاستراتيجية الدكتور غازي الفيصل أن جوهر الأزمة لا يكمن في اسم رئيس الوزراء المقبل، بل في طبيعة المشروع السياسي للحكومة الجديدة، ويؤكد أن العراق يمر بمرحلة بالغة الحساسية، تتقاطع فيها الضغوط الإقليمية والدولية مع تعقيدات الداخل.

ويشير الفيصل إلى أن الإطار التنسيقي يعاني من ازدواجية الهوية الاستراتيجية، إذ يحاول تقديم نفسه شريكًا لواشنطن، بينما يحتفظ في الوقت نفسه بعلاقات عضوية مع إيران وفصائل مسلحة، ما يفقد أي حكومة مقبلة قدرتها على طمأنة الخارج أو فرض سيادتها في الداخل.
ويحذر من أن واشنطن لم تعد تقبل بالضمانات الخطابية، بل تبحث عن أفعال ملموسة، لافتًا إلى أن وجود عشرات النواب المرتبطين بالفصائل المسلحة دفع الولايات المتحدة إلى رسم خطوط حمراء تمنع وصولهم أو حلفائهم إلى مراكز القرار التنفيذي.

بين السيادة والواقعية السياسية

الخلاصة أن العراق يقف أمام معادلة قاسية:

إما المضي في خيارات سياسية تصطدم مباشرة بالإرادة الأمريكية، مع ما يحمله ذلك من مخاطر اقتصادية ومعيشية، أو البحث عن تسوية سياسية تُجنب البلاد ضغوطًا قد تعيدها، بصيغة حديثة، إلى منطق «النفط مقابل الغذاء».

الاختيار ليس سهلًا، لكن المؤكد أن كلفته هذه المرة لن تكون سياسية فقط، بل اجتماعية واقتصادية، وقد تحدد ما إذا كان العراق قادرًا على كسر حلقة التاريخ.. أم محكومًا بتكرارها.

الجريدة الرسمية
عاجل