رئيس التحرير
عصام كامل

حين يموت الحق في الرعاية الصحية!

18 حجم الخط

لم أتعرف على معنى التخلي الحقيقي للدولة عن مواطنيها من الكتب ولا من الدراسات، بل من سرير المرض. من لحظة عجز فيها الجسد، ووجدت نفسي، كمواطن مصري، بلا أي مظلة تأمين صحي، وبلا حماية، وبلا دولة تقف بيني وبين الموت. 

لم يكن المرض وحده هو الخطر، بل كان السؤال القاسي الذي طرح علي بلا مواربة: هل تملك ثمن الحياة؟ وحين كانت الإجابة لا، بدا الموت خيارًا أقرب من العلاج، لا لخطورة الحالة وحدها، بل لأن منظومة كاملة قررت أن من لا يملك لا يستحق.

 

في تلك اللحظة، انكشفت الحقيقة العارية: الدولة التي تتغنى بالإنجازات، لم تكن حاضرة حين احتجت إليها، والمستشفى لم يسأل عن حاجتي للعلاج، بل عن قدرتي على الدفع، كنت واحدًا من ملايين المصريين الذين يعيشون بلا تأمين صحي فعلي، بلا ضمانة، بلا شبكة أمان. 

ولو سارت الأمور وفق منطق هذه السياسات، لكنت رقمًا جديدًا في قائمة الضحايا الصامتين. لم أنج لأن النظام أنقذني، بل لأن ما يشبه المعجزة حدث: تكفل أحد رجال الأعمال الذي كنت أعمل محاضرًا في جامعته بدفع تكاليف علاجي كاملة، فاشتريت الحياة بفضل فعل فردي، لا بفضل حق كفلته الدولة.

 

هذه التجربة ليست استثناءً، بل مرآة لواقع اجتماعي وسياسي فادح. واقع تحولت فيه الصحة من حق عام إلى صدقة، ومن مسؤولية الدولة إلى إحسان الأفراد. ومن هنا، لا أكتب هذا المقال بصفتي باحثًا في علم الاجتماع السياسي فقط، بل بصفتي شاهدًا على ما يعنيه أن تترك وحيدًا في مواجهة المرض، في بلد كان العلاج فيه يومًا حقًا لا يساوم عليه، قبل أن تفرغ الدولة من دورها، وتسلم صحة المواطنين لمنطق السوق منذ مطلع السبعينيات.

 

لم تكن الرعاية الصحية في مصر يومًا مسألة تقنية أو تفصيلًا إداريًا يمكن التعامل معه بلغة الأرقام واللوائح وحدها، بل كانت -ولا تزال- تعبيرًا كاشفًا عن طبيعة الدولة، وعن موقع الإنسان العادي داخل منظومة الحكم. 

فالدولة التي تضع صحة مواطنيها في قلب مشروعها الوطني، هي دولة تعترف بقيمة الإنسان، أما الدولة التي تترك المرض نهبًا للسوق، فهي دولة أعلنت، صراحة أو مواربة، تخليها عن مسؤوليتها التاريخية تجاه مواطنيها.

 

في الخمسينيات والستينيات من القرن العشرين، حين كان لمصر مشروع تنموي واضح الإرادة والانحياز، لم يكن الحق في العلاج محل نقاش أو تفاوض. كانت الدولة تعلن بلا مواربة، أن الصحة حق عام، وأن المواطن لا يترك وحيدًا في مواجهة المرض. 

 

لم يكن المستشفى الحكومي ملاذًا للفقراء فقط، بل مؤسسة وطنية تعكس فلسفة اجتماعية ترى في الإنسان غاية التنمية لا وسيلتها. كانت الرعاية الصحية جزءًا من منظومة أوسع للعدالة الاجتماعية، جنبًا إلى جنب مع التعليم المجاني، والعمل، والدعم، والتأمين الاجتماعي. 

 

لم تكن تلك المرحلة مثالية، ولا كانت خالية من القصور، لكنها كانت تمتلك بوصلة واضحة: الدولة مسؤولة، والمواطن له حق، والصحة ليست سلعة. وكان هذا وحده كافيًا ليجعل فرص الرعاية الصحية متقاربة بين أبناء المجتمع، لا تحدد وفق الدخل أو الطبقة، بل وفق الحاجة الإنسانية.

 

ثم جاء مطلع السبعينيات، لا بوصفه انتقالًا اقتصاديًا عابرًا، بل باعتباره لحظة كسر حاسمة في علاقة الدولة بالمجتمع. تحت شعارات براقة عن الانفتاح والحداثة، جرى تفريغ الدولة من مضمونها الاجتماعي، وتحويلها تدريجيًا إلى كيان يتخفف من أعبائه تجاه المواطنين، ويلقي بهم في أحضان سوق لا يعترف إلا بالربح. 

 

لم يكن الانفتاح مجرد سياسة اقتصادية، بل كان إعلانًا غير مكتوب عن نهاية فكرة الدولة الراعية. ومنذ تلك اللحظة، بدأت الصحة العامة تتحول من حق إلى عبء، ومن التزام إلى ملف يمكن تأجيله، أو خصخصته، أو تحميل كلفته للأسر. 

 

تراجع الإنفاق، تركت المستشفيات العامة للاهتراء، وجرى التعامل مع الكوادر الطبية بمنطق الاستنزاف لا التقدير. وفي الوقت ذاته، فتحت الأبواب على مصراعيها أمام رأس المال ليعيد تعريف العلاج باعتباره خدمة مدفوعة الثمن، لا حقًا مكفولًا.

 

هكذا وبهذه البساطة القاسية، تحولت صحة المصريين إلى سوق، وتحولت حياة الناس إلى أرقام في دفاتر الحسابات. ولم يعد السؤال المطروح: كيف نعالج المواطن؟ بل: هل يستطيع أن يدفع ثمن العلاج؟ وفي هذا المناخ، تحملت الأسرة المصرية العبء كاملًا. 

 

الأسرة التي تآكلت قدرتها الشرائية، وتراجعت أوضاعها الاجتماعية، وصارت تواجه الغلاء والبطالة وتدهور الخدمات، وجدت نفسها مطالبة أيضًا بتحمل كلفة المرض. لم يعد المرض حدثًا عارضًا، بل صار تهديدًا دائمًا للاستقرار الاقتصادي للأسرة. 

كشف بسيط، تحليل، دواء، عملية جراحية، كلها تحولت إلى معادلة مالية قاسية، قد تنتهي ببيع الممتلكات، أو الاستدانة، أو الامتناع عن العلاج.

 

وهنا لم يعد التفاوت في الرعاية الصحية مجرد نتيجة للفروق الطبقية، بل صار أداة لإعادة إنتاجها. من يملكون المال يشترون الحياة في مستشفيات خاصة نظيفة، سريعة، مجهزة، حيث الطبيب متفرغ، والوقت محسوب لصالح المريض. 

 

أما من لا يملكون، فيدفعون إلى منظومة عامة مثقلة، مكتظة، منزوعة الموارد، يطلب منهم الصبر، والتكيف، والاعتياد على الألم، وكأن المعاناة قدر اجتماعي لا سياسة مسؤولة عنها. وتشكل نظام صحي بطبقتين لا يحتاج إلى إعلان رسمي. 

 

نظام يفرز المجتمع بوحشية: هذا يستحق العلاج، وذاك عليه أن ينتظر، أو يتأقلم، أو يموت بصمت. ولم يعد الفارق بين الطبقتين في جودة الخدمة فقط، بل في الكرامة الإنسانية ذاتها. فحين يعامل المريض باعتباره عبئًا أو رقمًا، فإن الدولة تكون قد تنازلت عن أحد أبسط أدوارها الأخلاقية.

 

ويتضاعف هذا الظلم حين ننظر إلى الريف والمناطق المهمشة، التي ظلت لعقود خارج الحسابات الجدية للتخطيط الصحي. وحدات صحية بلا أطباء، مستشفيات بلا تجهيزات، ومسافات طويلة تفصل المريض عن أبسط حق في العلاج. 

 

في هذه الأماكن، لا يكون السؤال عن جودة الرعاية، بل عن وجودها من الأساس. ومع ذلك، لا يبدو أن هذا الغياب المستمر أثار يومًا غضب السياسات العامة، وكأن حياة هؤلاء أقل إلحاحًا في ميزان السلطة.

 

من منظور علم الاجتماع السياسي، لا يمكن فهم هذا الواقع إلا بوصفه نتيجة مباشرة لاختيارات سياسية واعية. فالانسحاب التدريجي للدولة من مسؤولياتها الاجتماعية لم يكن قدرًا، بل كان قرارًا. أعاد تعريف العلاقة بين الدولة والمواطن، من علاقة التزام وحماية، إلى علاقة جباية وترك. 

 

وحين تتخلى الدولة عن صحة مواطنيها، فإنها لا تضعف منظومة الخدمات فقط، بل تضعف الأساس الذي تقوم عليه شرعيتها. والأخطر من كل ذلك هو تطبيع هذا الوضع. أن يصبح من المعتاد أن يقاس الحق في العلاج بالقدرة على الدفع، وأن ينظر إلى الفقير بوصفه مسؤولًا عن مرضه، لا ضحية لسياسات أفقرت الدولة نفسها قبل أن تفقِره. هنا لا نكون أمام أزمة موارد، بل أمام أزمة ضمير سياسي.

إن استعادة العدالة الصحية ليست مسألة تقنية ولا إصلاحًا جزئيًا، بل معركة سياسية واجتماعية في جوهرها. معركة لإعادة الاعتبار لفكرة الدولة المسؤولة، ولحق الإنسان في العلاج بوصفه حقًا لا يشترى. وما لم يعاد النظر جذريًا في السياسات التي بدأت منذ مطلع السبعينيات، سيظل المرض في مصر سلاحًا طبقيًا، وستظل الأسرة المصرية تدفع من صحتها ثمن اختيارات لم تشارك في صنعها.

 فالصحة ليست ملفًا جانبيًا، بل هي الاختبار الحقيقي لأي نظام يدعي العدالة. وما دامت الرعاية الصحية تدار بمنطق السوق، فسيظل الحديث عن العدالة الاجتماعية مجرد شعار بلا مضمون، اللهم بلغت اللهم فاشهد.

الجريدة الرسمية