عباقرة ولكن مجهولون.. تقي الدين الراصد، رائد التكنولوجيا والهندسة
على مر التاريخ الإسلامي لمعت أسماء عباقرة في مختلف المجالات مثل: عمر ابن الخطاب، وأبو بكر الصديق، وعلي بن أبي طالب، وعمر بن عبد العزيز، والبخاري، والشافعي، وابن حنبل، ابن سينا.. ابن رشد.. الكندي.. الفارابي.. الخوارزمي.. الطبري.. أبو حامد الغزالي.. البوصيري.. حتى محمد عبده.. المراغي.. المنفلوطي.. رفاعة الطهطاوي.. طه حسين.. العقاد.. أحمد شوقي.. عبد الحليم محمود.. محمد رفعت.. النقشبندي.. الحصري.. عبد الباسط.. وغيرهم، في العصر الحديث.
لكن هناك أسماء مهمة كان لها بصماتها القوية على العلم والحضارة، ولا يكاد يعرفها أحد، وفي هذه الحلقات نتناول سير بعض هؤلاء العباقرة المجهولين.
تقي الدين الراصد، رائد التكنولوجيا والهندسة
تقي الدين الراصد، رائد التكنولوجيا واختراع المضخات، وكان عالمًا موسوعيًا في الفن والفلك والمواقيت، ومخترعًا لنماذج ميكانيكية متطورة تعتمد على الطاقة، أسَّس مراصد أهمها في إسطنبول، لكنه واجه اعتراضا دينيًا أعاق تحقيق تكتيكه، ترك إرثًا معروفًا أثرًا في التكنولوجيا والهندسة المتقدمة بعد فترة طويلة من موته.
من هو تقي الدين الراصد؟
هو تقي الدين محمد بن معروف بن أحمد بن محمد بن محمد بن أحمد بن يوسف بن محمد، ويعرف بالراصد، وبابن الراصد.
عالم في الهندسة والرياضيات والفلك والمواقيت.
عرف معاصروه قيمته العلمية فوصفوه بعدد من الألقاب، من بينها: الشيخ، والقاضي، والفاضل، والمحقق، والعلامة، والراصد.
مولده ونشأته
ولد بمدينة دمشق، عام 932هـ، ١٥٢٥م، فهو سوري الأصل.
سافر به أبوه من سوريا إلى مكة، حين عين بها واعظًا وقاضيًا، وفي مكة تلقى تقي الدين تعليمه الأولي.
ثم انتقل مع الأسرة حين عُيِّن أبوه واعظًا بالقاهرة، والتحق طالبًا بالجامع الأزهر، ليدرس علوم الدين، ويكون قاضيًا مثل أبيه.
خالف تقي الدين توقعات أبيه، وأحب أيضًا علم الحِيل "الهندسة الميكانيكية"، وراح يجمع كتبها العربية والمترجمة من اليونانية، من الوراقين بالأزهر، ودرسها حتى حصلها، وصار بها ضليعًا.
وعمل تقي الدين قاضيًا بمصر والشام، وكان يتردد على مدينة إسطنبول.
أعظم الإنجازات
في عام ٩٧٩هـ /١٥٧١م، وبدعم من الخواجة سعد الدين أصبح تقي الدين رئيسًا للفلكيين "منجم باشي"، في أواخر حكم السلطان سليمان القانوني، قُبيل تولي السلطان مراد الثالث، وكلفه هذا السلطان في عام ٩٨٣هـ/١٥٧٥م ببناء مرصد، على غرار مرصد مراغة، لعمل جداول فلكية جديدة، بدلًا من الجداول القديمة، على أن تستند هذه الجداول إلى المشاهدات الفلكية الجديدة، التي لم يكن الأقدمون يعرفونها.
وانتهى تقي الدين من بناء هذا المرصد وتجهيزه في عام ٩٨٥هـ /١٥٧٧م.
وبدأ العمل في المرصد لتسجيل المشاهدات الفلكية بصورة كاملة، لكن العمل بهذا المرصد لم يستمر سوى ثلاث سنوات، حيث هاجمه شيخ الإسلام في تركيا بدعوى التجسس على السماء، وأنه كان فأل شؤم على العثمانيين، فقد هزموا في حصارهم لفيينا بسبب هذا المرصد.
وبالفعل، دمر الجنود الإنكشاريون هذا المرصد، فكان آخر المراصد التي شيدها المسلمون في العصور الوسطى.
ومن العجيب أنه في العام نفسه، عام ١٥٧٦م، شيَّد "تيكوبراهي" مرصدًا في مدينة "أورانيبورج" فكان أول مرصد غربي يُشيَّد في القرن العاشر الهجري السادس عشر الميلادي.
وأقام تقي الدين في إسطنبول بعد تدمير مرصده، وتوفي بعد خمس سنوات.
ووضع الشاعر الشيرازي: "علاء الدين المنصور" قصيدة جميلة باللغة الفارسية عام ٩٨٩هـ/١٥٨١م، روى فيها قصة مرصد إستانبول، وتدمير الجند الإنكشارية له، بأمر من شيخ الإسلام قاضي زادة، وكان عنوانها: "شاهنشاه نامه".
اكتشافاته وإنجازاته
قدم تقي الدين على مدار حياته لعلم التكنولوجيا "الحيل" إنجازات علمية، لم يقدمها مثله:
لأول مرة، اكتشف طاقة البخار، واستخدمها في إدارة ذراع آلة الشواء، مستعينًا ببخار إبريق به ماء يغلي فوق نار قوية، وحرك ببخار هذا الإبريق، المندفع بقوة من عنق الإبريق مراوح موضوعة بذراع الشواء، وقد أثنى على اكتشافه المهندس المعماري الأعظم: "سنان باشا".
وفي مصر، صمم في عهد الوالي العثماني علي باشا نماذج لآلات ميكانيكية، ذات مسننات معدنية متعامدة الزوايا، ونفذها جميعًا مستعينًا بالعمال المصريين الفنيين، ومن هذه الآلات ساعة ميكانيكية بها الساعات، والدقائق، والأيام، والشهور، ومنازل القمر، والشمس، وكلها تدور بالمسننات الدقيقة، وأسماها: "حق القمر"، أو "علبة القمر"، وصمم ونفَّذ آلات لجر الأثقال، بينها رافعة تعمل بالدواليب المسننة (الأوناش)، ورافعة تعمل بالبكرات والحبال، ورافعة تعمل باللولب (الحلزون).
وصمم ونفذ آلات تحدث زمرًا، أو نقرًا دائمًا، وأربع فورات (نوافير) تدفع بالمياه بلا انقطاع في حركة تلقائية، تعتمد على: الكَّفَّة، والعوامة، والمقْلَب، وميزان المياه.
وأبرز إنجازات تقي الدين نماذج من المضخات، استخدم معها لتحريكها طاقتي الماء في كل الفصول، والهواء في فصل الشتاء، بينها مضختان من ابتكاره: المضخة الأولى مضخة الحبل: وهي مضخة ذات أكر (كرات) من القماش على كباسها، ترفع الماء من آبار عميقة، يصل عمقها في جوف الأرض إلى اثنين وسبعين مترًا.
وكانت المضخة الثانية ذات اسطوانات؛ وهي التي مهدت لاختراع المحرك البخاري الحديث، على يد المهندس الميكانيكي: "نيوكومن"، بعد مائة وسبعين سنة من وفاة تقي الدين.
مضخة تقي الدين
امتدت مضخة تقي الدين، ذات الأسطوانات الست، على صف واحد، وكانت مخروطة في قطعة واحدة، ولذلك أطلق مؤرخو العلم على القرن الذي عاش فيه تقي الدين: عصر المضخة، ووصفوه بأنه: "أبو التكنولوجيا العربية".
استخدم تقي الدين في مضخته هذه عمود الكامات بستة نتوءات موزعة بانتظام على محيط الدائرة؛ بحيث تعمل أسطواناتها على التوالي مرتفعة وهابطة، فيستمر تدفق الماء بصورة منتظمة دون دفق أو تقطع، فحقق بذلك مفهوم التوازن الديناميكي الحديث الذي أدى إلى صنع المحركات والضواغط الحديثة المتعددة الأسطوانات.
ووضع تقي الدين في مضخته هذه ثقلًا من الرصاص، على رأس قضيب كل مكبس، ليزيد وزن هذا الثقل على وزن عمود الماء، الموجود داخل الأنبوب الصاعد إلى الأعلى، کي يهبط بقضيب المكبس داخل هذا الأنبوب، وهو نفس ما فعله العالم: "مورلاند" في المضخة التي صممها بعد وفاة تقي الدين بتسعين عامًا.
حفظ تقي الدين اختراعاته في كتب، وزودها بالرسوم، لآلته البخارية؛ وهي الأولى من نوعه في العالم، ولساعاته الميكانيكية، والمضخات السابقة عليه، والمضختين اللتين ابتكرهما من عدم.
وبعد مرور 37 سنة من وفاة تقي الدين، كتب: "راميللي" كتابًا في علم الحِيل عن الآلات الميكانيكية التي كتب عنها تقي الدين.
وبعد 97 عاما كتب العالم: "ويلكنز" كتابًا بعنوان: "آلة لتدوير السيخ بواسطة عنفة بخارية".
وحاول تطبيق فكرته مثلما فعل تقي الدين بآلة، لكنه فشل في التنفيذ، وبعد 190 سنة من وفاة تقي الدين استخدمت في الغرب طاقة البخار.
مؤلفاته
كتب تقي الدين مؤلفات في التكنولوجيا هي: "الطرق السنية في علم الآلات الروحانية"، وقد أتم تأليفه في عام ٩٥٩هـ/١٥٥٢م، وكتاب "الكوكب الدري في البنكامات الدورية"، وقد أتمه في عام ٩٥٩هـ/١٥٥٢م.
"علم البنكامات الساعات"، و"الثمار اليانعة"، و"ريحانة الروح في رسم الساعات على مستوى السطوح"، وقد أتمه في قرية من قرى نابلس عام ٩٧٥هـ/١٥٦٨م، حين كان يعمل فاضيًا بقضاء نابلس بفلسطين.
"الدر النظيم في تسهيل التقويم"، و"سدرة المنتهى في ملكوت الفلك الدوار"، و"رجز في ربع الدستور المعروف بالمجيب"، و"رسالة التواريخ"، و"رسالة سمت القبلة".
و"خلاصة الأعمال في مواقيت الأيام والليالي"، و"رسالة في الربع الشكازي"، و"آلة لتدوير السيخ الذي يوضع فيه اللحم على النار فيدور من نفسه من غير حركة الحيوان".
وقد أتم تأليف هذا الكتاب بمدينة استانبول، وهو مقيم بها مع أخيه الأكبر في عام ٩٥٣هـ/١٥٤٦م، واشترك أخوه معه في تنفيذ تصميمه لهذه الآلة.
وله في الرياضيات: "بغية الطلاب في علم الحساب"، و"النسب المتشاكلة في علم الجبر"، و"دستور الترجيح لقواعد التسطيح"، و"كتاب التجنيس في الحساب للسجاوندي"، و"تحرير أكر (كرات) تاوزوسيوس اليوناني المهندس".
كتاب في البصريات بعنوان: "نور حديقة الأبصار ونور حديقة الأنظار"، و"خريدة الدر وجريدة الفكر" و"النسب المتشاكلة".
وفاته
توفي عام ٩٩٣هـ / ١٥٨٥م.



