رئيس التحرير
عصام كامل

المشروع يثير أزمة.. ومطالب بحوار مجتمعي حوله.. قصة القانون الجنائي في مصر.. من الفراعنة إلى دولة 30 يونيو.. الفرعون كان يشكل لجنة بسلطة كاملة لإصدار الحكم في الجرائم الخطيرة

 القانون الجنائى
القانون الجنائى

أحدث مشروع قانون الإجراءات الجنائية الجديد الذى تجرى مناقشته بمجلس النواب حاليا، ضجة كبيرة؛ بسبب الانتقادات التى قوبلت بها بعض بنوده من جانب نقابتى المحامين والصحفيين وأعضاء بمجلس أمناء الحوار الوطني.

ففى الوقت الذى أكد فيه رئيس مجلس الوزراء د. مصطفى مدبولي، أن المشروع الجديد على رأس أولويات الحكومة لتنفيذ الاستراتيجية القومية لحقوق الإنسان، اعترضت نقابة المحامين على عدد من المواد مؤكدة أنها تمس مهنة المحاماة وحقوق المواطنين، كما أكد المحامى نجاد البرعي، عضو مجلس أمناء الحوار الوطنى أنه لم يتم الاستئناس برأي الحوار الوطنى فى القانون على الرغم من مناقشة الحوار الوطنى للعديد من المقترحات حول ما يتعلق بالحبس الاحتياطى، ولم يتم الأخد بتوصياتنا متهمًا البرلمان بالاستعجال فى مناقشة القانون، فيما طالب آخرون بضرورة طرح المشروع للحوار المجتمعى كونه يتعلق بالمواطنين وحرياتهم وضمانات القبض والتفتيش والإجراءات الجنائية المختلفة للمتهمين.

«فيتو» من جانبها تفتح ملف القانون الجديد فى محاولة لتقديم رؤية شاملة لعلها تجد صدى لدى مجلس النواب الذى يناقش القانون حاليا:

 

 

لا يوجد حاليًّا على الساحة السياسية والتشريعية المصرية، ما هو أهم من قانون الإجراءات الجنائية الجديد، باعتباره عصب الحياة المدنية التى حلم بها الشعب المصرى وقواه السياسية والاجتماعية منذ عقود، فالقانون حال خروجه بطريقة تناسب اهتمامات المجتمع وتطلعاته، يعنى وقف مشكلات الحبس الاحتياطي، التى ترغب القيادة السياسية فى إنهائها تمامًا، حسب تصريحات أعلى مستويات الدولة، ولا سيما الرئيس السيسي.

وتكمن أهمية قانون الإجراءات الجنائية الجديد فى ارتباطه بالإنسان المصري، ومنحه الحماية الدستورية اللازمة التى تتوافق مع الإعلان العالمى لحقوق الإنسان، والعهد الدولى للحقوق المدنية والسياسية، والبناء على تاريخ طويل لهذا البلد فى مسار تطور الإجراءات الجنائية، منذ عصر الفراعنة وحتى ثورة 30 يونيو، التى يحيا المجتمع المصرى فى ضوء ما ترتب على نتائجها، وترصدها «فيتو» على النحو التالي.

مصر القديمة.. أزهى عصور دولة القانون

قبل سرد تاريخ قانون الإجراءات الجنائية فى مصر، يجب معرفة حقيقة مهمة عن هذه البلاد، إذ عرفت مصر القانون الجنائى مع توحيد مصر العليا والسفلى تحت حكم الملك مينا نحو 2925 قبل الميلاد، واستمر حتى الاحتلال الرومانى لمصر “30 قبل الميلاد”، لذا يعتبر تاريخ القانون الجنائى المصرى أطول من تاريخ أى حضارة أخرى فى العالم.

ويؤكد ذلك ما حدث بعد القرن السابع قبل الميلاد، وتحديدًا عندما دخلت اللغة الديموطيقية اللهجة العامية للغة المكتوبة فى مصر حيز الاستخدام، وتطلب ذلك تطوير المعاملات القانونية بشكل مكتوب حتى تناسب اللغة الشعبية الجديدة.

وبسبب الطبيعة المعقدة للإدارة القانونية، كان حاكم البلاد فى العصر الفرعونى يفوض السلطات إلى حكام المقاطعات وغيرهم من المسئولين، وبعد الفرعون، كان الفرد الأقوى هو الوزير، الذى كان يتولى إدارة جميع الفروع الإدارية للحكومة، بل كان يتولى الحكم فى القضايا التى تخص المحكمة، ويعين القضاة كجزء من واجباته القانونية.

وفى ظل هذا السياق التاريخى للقانون فى مصر، كانت العدالة الجنائية تستلزم وجود تسلسل هرمى فى النظام القضائي، اعتمادًا على شدة التهمة، حيث لم يكن من الممكن الحكم على أفظع المجرمين، إلا من قِبل الفرعون، وغالبًا ما كان الوزير يجرى التحقيق ويلجأ إلى الفرعون للحكم النهائي.

فى بعض الحالات كان الفرعون يعين لجنة خاصة تتمتع بسلطة كاملة لإصدار الحكم فى الجرائم الخطيرة، والتى كانت تصل إلى الأشغال الشاقة والإعدام للمجرمين الأكثر خطورة فى البلاد.

الغريب أن العقوبات التى كان تفرض على المجرمين، رغم قسوتها بالأعراف الحديثة، لكن القانون المصرى القديم كان جديرًا بالإعجاب فى دعمه لحقوق الإنسان الأساسية، حيث عزز الفراعنة الحقوق الفردية، ورفضوا السجن بسبب الديون «الغارمين» إلا فى أضيق الحدود، وأصلحوا القوانين المتعلقة بنقل الملكية.

وبحلول القرن السادس قبل الميلاد، كان القانون المصرى مثار إعجاب العالم القديم، للدرجة التى جعلت الإمبراطورية الرومانية أهم ممالك العالم القديم تتأثر بشدة بالنظام القانونى الجنائى المصري، ولا سيما خلال العصر الهلنستي، وبعض المؤرخين يؤكدون أن قوانين مصر القديمة ما زالت تؤثر فى قوانين اليونان حتى اللحظة الحالية.

100 عام من الإجراءات الجنائية

أما عن تاريخ الإجراءات الجنائية فى التشريعات المصرية الحديثة، فيعود إلى 13 نوفمبر 1883، حيث الخطوات الأولى التى قادت إلى سن قانون عرف آنذاك باسم التحقيقات الجنائية، وصدر عام 1904، مرورًا بالقانون 150 لسنة 1950 انتهاءً بالتعديل الذى طرأ على القانون الأخير عام 2006.

وطوال هذه السنوات حاول المشرع المصرى تطوير ضمانات الإجراءات الجنائية، حتى لا يتحول الحبس الاحتياطى على سبيل المثال إلى اعتداء مستمر على الحريات المحمية دستوريًّا، وفى الوقت نفسه لا يتخلف عن التشريعات العالمية والضمانات الخاصة بإجراء الحبس الاحتياطي.

وحسب ورقة صادرة عن مؤسسة حرية الفكر والتعبير، استخدم قانون الإجراءات الجنائية المصرى عام 1883 فى المحاكم الأهلية، قبل أن يُعطل العمل به عام 1889 حتى الانتهاء من تعديلاته وملاحظات القوى السياسية والاجتماعية، وخرج للنور بالفعل عام 1904.

وعقب إلغاء الامتيازات الأجنبية بموجب معاهدة 1936 صدر قانون تحقيق الجنايات عام 1949، والذى منح سلطة إصدار الأمر بالحبس الاحتياطى لقاضى التحقيق المنوط به مباشرة التحقيق لمدة شهر، وذلك إذا كانت الجريمة التى يحقق فيها يعاقب عليها بالحبس دون وضع حد أدنى لمدة الحبس أو عقاب آخر أشد من الحبس.

وبعد ذلك صدر قانون الإجراءات الجنائية رقم 150 لسنة 1950، والذى فرض مزيدًا من الضمانات على الإجراءات المنظِّمة للحبس الاحتياطي، لكن مع إصدار دستور 1971، تم إضافة مزيد من الضمانات إلى الحبس الاحتياطي، تتمثل فى مبرراته ووجوب توقيته بيد أن تلك الضمانات استمرت حبيسة وغير مطبقة، حتى صدر القانون رقم 145 لسنة 2006، فى شأن تعديل قانون الإجراءات الجنائية.

ومع ثورة الشعب المصرى فى 30 يونيو 2013، كانت هناك تطلعات كبيرة للقوى السياسية والشارع المصرى فى تعديلات الدستور عام 2014 لإعادة النظر فى قانون الإجراءات الجنائية، ومنح المصريين أقصى درجة ممكنة من الحريات الفردية وتحصينها دستوريًّا، والموازنة بين الحرية الشخصية للمتهم ومصلحة التحقيق.

لكن السنوات الأخيرة حملت الكثير من التخوفات بسبب الحبس الاحتياطي، مما أعاد قانون الإجراءات الجنائية إلى الواجهة مرة أخرى، بينما حملت رسائل السلطة الإيجابية تطمينات إلى المجتمع أن هناك من يسمع ويستجيب لنداء الشارع السياسى فى مصر.

الجريدة الرسمية