رئيس التحرير
عصام كامل

السند وعواصف الخماسين!

لنا فيها مواقيت.. ميقاتّ للسعادة وأخرّ للوجع.. لكن حياتنا ليست بسيطة بالقدر الذى يجعلنا نعطيها الأمان الكافي.. فكثيرّ ما كانت أيامُنا تشبه عواصف الخماسين ونحن كأشجار الموزِ البكر.. نتشبثُ بالأرض وقت العاصفة.. لكننا بلا جذور..


لا شيء يُذهبُ الخوفَ سوى التساند والتكافل والدعم غير المدفوع بالمادةِ أو المنفعةِ المحسوبة.. ما أصعب الأيام التي يغيبُ فيها السند.. أو حين نكتشف في عز الأزمة أنه سندّ مزيف أو سندّ بلا قلبٍ أو إرادة أو قيم أو عصب.. لا حياة في بيئة تتكدس فيها أرصدة الدموع في أحداق الأبرياء! ولا أمان في مجتمع تتهاوى فيه قوة الإنسانية أمام قوة المادة الغاشمة.. 


ما أحوجنا إلى أنفسنا حين تشتدُ الأزمةُ لتكون قاطرة نعبر بها إلى بر الأمان.. وما أخطرَ أن تكون ذواتنا مبعثرة، تحتاج إلى من يلملمها في كيانٍ صلبٍ متسقٍ، قادرٍ على تخطى الأزمة، والتعامل بنجاح مع الوجع.. 


شديدة عواصف الخماسين في أيامنا تلك.. وتشتدُ أكثر كلما لمست مناطق الضعف التي في الذوات.. وكلما أحست أننا كأشجارِ السوسنِ نقفُ في الخلاءِ دون سندٍ أو رفيق.. أو كان الأيمانُ بالموتِ أعمق فينا من الإيمانِ بالحياة!

زمن المصالح 


في زمن المصالح ثلاثة علاقات تحكمها المصلحة كفيلة بأن تفسد عليك الحياة، كفيلة بأن تجعلك دون سند: أولها حين تكون علاقتك بزوجتك أو بزوجك علاقة مصلحة.. فهذا معناه غياب الحب.. وحياة بلا حب حياة قاسية!


وثانيها حين تكون علاقتك بأهلك علاقة مصلحة.. وهذا معناه غياب الإحساس بالانتماء.. وغياب الإحساس بالانتماء معناه الإحساس بالاغتراب وفقدان الهُوية.. وحياة في مجتمع لا نشعر فيه بهويتنا هى حياة غير آمنة!


وثالثها حين تصبح علاقتك بالله علاقة مصلحة.. فهذه فضلًا عن كونها تتعارض مع فكرة الإيمان معناها أيضًا أنك فقدت الروح التى تربطك بالسماء.. وأصبحت جسدًا بلا روح.. وهذا وحده كفيل بأن يشعرك بأنك ميت وإن كنت على قيد الحياة! فقوة الإيمان بالأشياء هى التى تعطيك معنى قويًا للحياة..


لا شيء يقتلنا كالخوف من المجهول والاحساس بالوحدة وغياب السند.. لا شيء يشعرنا بالبرد كغياب الاحساس بالدفء الإنساني، الذي تفوق قوته برودة الطقس بعشرات الأضعاف.. لا سند حقيقي سوى الإيمان العميق بالله، وبالوجود، وبالإنسان على حدٍ سواء..

 
فالإيمان بان الله هو السند وكل الإيمانات تأتي بعده؛ يجعلنا دائما نشعر بالونس، وأن خلف ظهورنا جبال عاتية، لا يهزها ريح، ولا تحركها زلازل ولا تفجرها براكين البشر!


أما الإيمان بالوطن فيجعلك دائما يقظ.. متعاطٍ مع قضاياه، مهموم بأوجاعه.. طموحك فى بنائه غير محدود.. لا تشعر فيه بالوحدة أبدًا فهو بئر العطاء الذى ينفد.. أمنك من أمنه، وارتقاؤك مرهون باستقراره وتقدمه.. حين تذكر اسمه تشعر بالقوة، وحين تعبر عن انتمائك له تشعر بالفخر.. 

 

فكلما أصحبت جزءًا من الوطن وترسا من تروسه الفاعلة كلما شعرت بالسند.. أما الذين ينتمون إلى جماعات مناوئة للوطن، تتآمر على استقراره وتقدمه عادة ما يشبهون الجرذان لا يظهرون سوى فى العتمة.. على جباههم يسكن الجبن والخذلان والغدر والخيانة.. يخافون من كل شيء حتى من أنفسهم!

 


أما الذين يؤمنون بالإنسانية لا يموتون فرادى أبدًا.. عادة ما تسبقهم إلى القبور مشاعر محبيهم.. وبحجم عمق مشاعرهم الإنسانية، وإيمانهم بحق الانسان في حياة آمنة، لا تهددها مشاعر الأنانية ولا الاستعباد ولا الاستبعاد، وبحجم مواقفهم الإنسانية وأثرهم في حياة الآخرين؛ يشعرون بالدفء والمساندة.. وبعدد الذين يؤمنون بك ويقدرون مواقفك الإنسانية يتحدد رأسمالك البشرى ومصيرك الأخروي المحتوم!

الجريدة الرسمية