رئيس التحرير
عصام كامل

طنطا وفتاة الفستان

حبيبة طارق شابة مصرية وطالبة جامعية تدرس فى جامعة طنطا.. تعرضت -حسب قولها- إلى تنمر دار موضوعه حول ارتدائها فستانًا.. أي والله «فستان». ودارت الدنيا دورتها الأولى، وأصبحت حبيبة طارق حديث السوشيال ميديا، وأمر الأستاذ الدكتور رئيس الجامعة بالتحقيق فى الواقعة، وتناول الأمر مع وسائل الإعلام بقدر كبير من الاحترام.

 

«وراحت القضية النيابة».. حتى الآن كل شيء يجرى وفق القانون، ولا شيء فى ذلك، و«هاتك يا تحقيقات» حول الواقعة، وبعيدًا عن تفاصيل ليس هنا مجالها، فإن الأمر بدأ يأخذ منحى آخر.

قررت «حبيبة» الانسحاب من جامعة طنطا، وأعلنت أنها ستدرس فى أي جامعة خاصة، وهذا حقها الطبيعى إذا ما استشعرت أن ظروفها النفسية لم تعد تقوى على البقاء فى هذا الحرم الجامعى المقدس. من الطبيعى أن تنهى تفاصيل إدارية للتقدم إلى جامعة أخرى، وهذا أيضا حق قانونى ودستورى وأخلاقى وإنسانى، فلم تجد من الجامعة فى هذا الأمر إنصافا أو لينا، فماذا حدث؟

 

توجهت «حبيبة» إلى الجامعة التى ذهبت إليها للدراسة والعلم والتعلم، وطلبت سحب أوراقها، ففوجئت بمن يقول لها: «فوت علينا بكرة يا سيد». وفاتت بكرة.. وبعد بكرة.. ولم يتغير شيء! قالوا لها بالفم المليان: هناك قرار بمنع منحك أوراقك. ليه يا سادة؟! قالوا لها أيضا إن الأستاذ الدكتور رئيس الجامعة هو صاحب القرار، وقد ظنت أن هذا ادعاء غير حقيقى، فأصرت على سحب أوراقها.

موقف غريب

لم توافق الجامعة على ذلك بدعوى أن هناك تحقيقات فى النيابة العامة، وبالتالى لا يمكنها سحب أوراقها.. والسؤال الذى تبادر إلى ذهن حبيبة وأعلنته أمام السادة المسئولين: وما هى العلاقة بين تحقيقات النيابة وبين رغبتى فى سحب أوراقى؟

 

وكانت الإجابة: «مفيش أوراق». ماذا تفعل حبيبة طارق أمام تعنت غير مبرر وغير قانوني وغير منطقي.. باختصار ليس أمامها إلا أن «تخبط راسها فى الحيط». المثير أن «حبيبة طارق» أصبحت أمام حالة مريبة وموقف أغرب من الجامعة، وهى حرم علمى مقدس يذهب إليه الشباب ليتعلموا العدل والمساواة، ويتخرجوا فيه بعد الحصول على شهادة علمية تؤكد تأهلهم لعالم جديد وحياة جديدة.

 

تقطعت السبل أمام «حبيبة طارق»، ووقفت على ناصية الزمن تنتظر من يمنحها حقها لا أن يمارس ضدها تعنتا غير قانونى، فلم تجد من يساندها فى هذا الأمر.. قراءة الموقف ظاهريا توحى أن هناك ظلمًا وتصرفًا غير قانوني ضد حبيبة طارق، أو موقف منها، وهى من المفترض طالبة تسعى –حتى وإن أخطأت- إلى الحصول على حقها الطبيعى فى الحياة واختيار الجامعة التى تدرس فيها، غير أنى ما زلت لا أصدق أن هناك موقفا شاذًّا ومتجبرًا ومتغطرسًا من الجامعة.

جزاء حبيبة

أظن، وبعض الظن إثم، وليس كله، أن موظفًا صغيرًا قد يكون هو صاحب هذا الموقف، إذ لا يعقل أن يكون الأستاذ الدكتور رئيس الجامعة هو الذى يحول بين «حبيبة طارق» وحقها فى الحصول على أوراقها. ولا أعتقد أن عميد الكلية التى كانت تدرس فيها قد يكون هو من يقف ضد حق قانونى يعطى «حبيبة طارق» الحق فى اختيار طريقها دون غصب أو ظلم أو تجبر.

 

الموقف من «حبيبة طارق» أيا كان صاحبه أعاد إلى ذاكرتي صورًا زاهية لأساتذة أجلاء قابلوا جنوننا بالاحتواء، وربتوا على أكتافنا «فى عز» عصبيتنا، ودلونا على الطريق القويم، وعاملونا معاملة الأبناء مهما شردنا.. أتذكر أساتذة لنا حفروا -باستيعابهم- أسماءهم فى كل سجدة نسجدها لله داعين لهم لا عليهم، طالبين لهم المغفرة والرحمة، وقد كبرنا وظلوا هم كما هم ملاذنا فى الأزمات وموطن النصيحة فى الكبوات.

 

وأنا ما زلت على يقين أن فى جامعة طنطا نماذج مشرفة من أساتذة كبار يمكنهم أن يراجعوا الموقف من إبنة تعرضت لما ظنت أنه تنمر، ولن يكون جزاؤها المطاردة فى مستقبلها، وإنى لمنتظر ردًّا شافيًا من الأستاذ الدكتور رئيس الجامعة أو عميد الكلية بشأن الحيلولة دون حقها فى الحصول على أوراقها وصناعة مستقبلها كما يحلو لها.

الجريدة الرسمية