رئيس التحرير
عصام كامل

ليلة خبيز العيد

قبيل العيد بأيام كنت تجد الكثير من أبناء القرية يمتطون ظهور دوابهم فوق جوال (تليس) القمح أو الذرة، متوجهين إلى الطاحونة لطحن الحبوب والعودة بالدقيق إلى منازلهم مصحوبين بأطفالهم، وأثر الدقيق على وجوههم، يتزامن ذلك مع مفاوضات الأسر الصعيدية للتوصل لخبازة لإجراء عملية خبز «البتاو»، وبعد الاتفاق تأتي الخبازة فى الموعد المحدد.


منذ أكثر من عشرين عاما كنت أرى القليل من السيدات والأطفال يجوبون الشوارع لتجميع روث المواشى لأكتشف أن روث المواشى يتحول إلى «جلة» بعد تعرضها للشمس عدة أيام، وذلك حتى يتسنى استخدامها كوقود للفرن البلدى أثناء عملية الخبيز.

وفى الليلة الموعودة كانت السيدات تقوم بتنظيف غرفة الفرن البلدى وغسل مواجير العجن المصنوعة من الفخار، وإحضار البوص والجلة، والمطرحة، والبشكور، وهو قضيب من حديد معقوف لتحريك وقود الفرن.

وما أن تأتي الخبازة حتى يتم إشعال وقود الفرن لتسخين سطح الفرن، وتبدأ السيدات فى عجن الدقيق بالمواجير وتقطيعه فى صورة كور وإمداد الخبازة به لتقوم الخبازة برق العجين على المطرحة وتحريكها فى عدة اتجاهات لمزيد من المط قبل إدخاله الفرن ليخرج عيش بتاو بعد عدة دقائق. كان يوم الخبيز فى الفرن البلدى فرصة طيبة لعمل صينية بطاطس (ني فى ني) على الفرن البلدى، وما إدراك ما الفرن البلدى، أو صينية سمك.

فرحة الخبيز
لم يكن يوم الخبيز عاديا أبدا، فكانت الفرحة ترتسم على وجوه الأطفال، ويقومون بتشكيل عرائس من العجين ووضعها على الفرن، كان يوما جميلا تشعر فيه بالتقارب والألفة، حيث إنه بانتهاء عملية الخبيز، كان يتم طي العديد من البتاوات هذه لمنزل فلان والأخرى لمنزل الآخر.

هناك، ومنذ عقدين من الزمان كانت صوامع الغلال تعلو أسطح المنازل فى الصعيد، فتوجه أحدهم فى السبعينيات والثمانينيات إلى المخبز لشراء الخبز أمر لم يكن جيدا، حيث إن ذلك كان يحمل دليلا على أنه لا يوجد قمح فى منزله.

الآن تغير الوضع، فم تعد هناك مواشى.. لم تعد هناك صوامع.. لا توجد خبازة.. اختفت أشياء كثيرة كانت تعكس تجمعا وحبا وبركة.


كان وما زال البتاو مع بعض الأطباق مفضلا للكثير من أبناء الصعيد، خاصة مع الملوخية، بل وفى مرض أحدهم كان الاكتفاء بعيش البتاو والشاى أمر مهم إذا أخبره الدكتور بالبعد عن الدهون، وللحديث بقية عن سطور تنسج صورة عن تراثنا إن كان فى العمر بقية.
الجريدة الرسمية