رئيس التحرير
عصام كامل

جولدن جلوب فقد البهجة والبريق

فرضت جائحة كورونا نمط حياة افتراضيا لا روح فيه ولا حميمية ولا تواصل، الجميع لا يبرح مكانه أمام شاشة صغيرة، ينجز معاملاته وأعماله ويتواصل مع الآخرين ويتلقى العلم والأخبار والترفيه عبر تطبيقات إلكترونية، صحيح أنه أسلوب حياة حل جزءا من الأزمة لكنه قضى على البهجة ومظاهر الحياة الطبيعية ووضع جميع تحركاتنا تحت الرصد الإلكتروني.


ينتظر جمهور الفن والترفيه العالمي، سنويا حفل جوائز جولدن جلوب، الذي تنظمه رابطة هوليوود للصحافة الأجنبية، لأنه يفتتح موسم الجوائز الفنية الكبرى التي تتوالى تباعا وتنتهي بحفل "الأوسكار"، كما أنه يفصل بين "الأفلام الدرامية" وتلك "الكوميدية"، خلافاً للجوائز الأخرى، فضلا عن كونه يكرم أعمال السينما والتلفزيون على حد سواء، ويستحوذ حفل جولدن جلوب على اهتمام بالغ، لأن الفائزين بجوائزه تتعزز حظوظهم كثيرا لنيل "الأوسكار"، مثلما حدث في العام 2019، فمن منحتهم رابطة الصحافة الأجنبية، جوائز جولدن جلوب"في السينما، فازوا جميعا بعد أسابيع قليلة بجوائز الأوسكار، باستثناء فئة الموسيقى.

اختلف حفل الدورة الثامنة والسبعين، جذريا عن الدورات الفائتة، لأنه ينظم افتراضيا للمرة الأولى في تاريخه وفي موقعين مختلفين، الأول مكانه المعتاد فندق "بيفرلي هيلز" في كاليفورنيا، وتواجدت فيه الممثلة إيمي بولر، والثاني قاعة "رينبو روم" في نيويورك بوجود الممثلة تينا فاي وانضم إليها عدد محدود جدا من نجوم هوليوود ملتزمين بالتباعد والكمامات. أما معظم النجوم المرشحين في الفئات السينمائية والتلفزيونية ومن فازوا، فشاركوا افتراضياً من منازلهم أو مكان تواجدهم.

لي كا شنغ "سوبرمان" هونج كونج

فضلت رابطة الصحافة الأجنبية، الصيغة الافتراضية بدلا من إلغاء الحفل برمته، لكن مع اصرارها على إعلان الجوائز وتكريم الفائزين عن بعد، فقد الحفل البهجة والبريق والألق المعتاد، لعدم وجود الأجواء الاحتفالية الصاخبة المصاحبة للسهرة، وغياب استعراض النجوم على البساط الأحمر وتصريحاتهم المثيرة للجدل والضحك والاهتمام معاً، وبقي فقط من الحفل إعلان الفائزين وتكريم الأعمال القليلة التي تم إنجازها رغم الجائحة. 

من اللمحات المضيئة في الحفل تكريم الممثلة الأميركية جين فوندا، بجائزة "سيسيل بي دي ميل"، عن مجمل أعمالها لتتوّج مسيرة مهنية في السينما والتلفزيون والدفاع عن القضايا الاجتماعية على مدار 60 عاماً تقريباً. وخلال تسلمها الجائزة، دعت جين فوندا (83 عاماً) للتنوّع، قائلة إنّ سرد القصص مسألة جوهرية لتحقيق التفاهم المتبادل بين البشر، "هناك قصة نخشى رؤيتها وسماعها عن أنفسنا في صناعتنا، وهي قصة حول ما هي الأصوات التي نحترمها وما هي الأصوات التي لا نكترث لها"، وانتقدت جين فوندا "عدم وجود أي أعضاء من أصحاب البشرة السمراء في رابطة هوليوود للصحافة الأجنبية التي تمنح الجوائز".

تميز الحفل الافتراضي بردود فعل الفائزين بالجوائز، إذ كانت عفوية تماما أكثر من وجودهم في المسرح، مثلما عبرت بطلة مسلسل "مناورة الملكة"، أنيا تايلور - جوي، عن فرحتها الغامرة بفوزها بجائزة أفضل ممثلة في مسلسل قصير، في مقطع فيديو لحظة الإعلان عن اسمها.
 أما النجوم الذين شاركوا من منازلهم، فانتهزوا الفرصة لإظهار أولادهم وأسرهم، ومنهم ابنة المخرج الكوري لي إيزاك تشونغ، التي احتفلت بنيل والدها جائزة جولدن جلوب لأفضل فيلم أجنبي عن فيلم "ميناري"، بعدما انتقدته رابطة الصحافة في السابق واعتبرته غير مؤهل للفوز، وبدت كيت هدسون بصحبة عائلتها بأكملها وابنتها الصغيرة. كما أطلت نيكول كيدمان بصحبة ابنتيها الصغيرتين.

من لحظات الحفل الأكثر تأثيرا، تكريم الممثل الراحل الأميركي من أصل أفريقي تشادويك بوزمان، بنيله "جولدن جلوب" أفضل ممثل في فيلم درامي، عن دوره كعازف بوق طموح في فيلم "ما رينيز بلاك باتم"، بعد انتقاد واسع للتغييب المتعمد لبطل فيلم "بلاك بانثر" تشادويك عن الجوائز الأميركية الكبرى أوسكار وإيمي في حياته، رغم النجاح الأسطوري لأعماله، وقد توفي تشادويك بوزمان في أغسطس الفائت، عن 43 عاما؛ لإصابته بسرطان القولون، وتسلمت الجائزة زوجته تايلور سيمون ليدوارد، وقالت باكية: "لو كان بيننا، مؤكد أنه سيلقي كلمة جميلة وملهمة تشكل صدى لهذا الصوت الخافت الذي يقول إنكم قادرون على إنجاز ما تريدون ويحثكم على التقدم باستمرار، وكان سيشكر الله ووالديه وأسلافه على توجيهاتهم وتضحياتهم"، وبهذا يصبح الراحل تشادويك بوزمان، أوفر المرشحين حظا لنيل جائزة أوسكار أفضل ممثل لدى المراهنين.

وبعد أن كانت منصات البث التدفقي غير مرغوب في مشاركتها، جاءت جائحة كورونا لترجح كفتها على منصات المشاهدة التقليدية من سينما ومسرح وفضائيات، وشهد الحفل الافتراضي سيطرة منصة نتفليكس العملاقة على الجوائز، إذ حصدت ست جوائز في الفئات التلفزيونية وأربع جوائز في الفئات السينمائية، وهو أفضل أداء لها على الإطلاق في جولدن جلوب، وتصدرت المنصة الترشيحات أيضا مع 42 ترشيحا.

"التاج" بين السخط والإعجاب

وكان مسلسل "التاج" من أبرز أعمال نتفليكس الفائزة، إذ نال الموسم الرابع من العمل 4 جوائز، كما فاز مسلسل "مناورة الملكة"، وبعد الحفل الافتراضي أصبحت نتفليكس لاعب أساسي في قطاع الترفيه العملاق، بعد الفتور الذي كانت تلاقيه أعمالها في أوساط هوليوود، وجوائزها ومهرجانات أوروبا الكبرى.

ومع نيل مسلسل "التاج" عن العائلة المالكة البريطانية، حصة وافرة من الجوائز، تفوق نجوم بريطانيا عدديا على صعيد الجوائز على نظراؤهم في الولايات المتحدة، وباستثناء كاثرين أوهارا الكندية، التي تحمل أيضا الجنسية الأميركية، وأنيا تايلور-جوي التي تحمل جنسيات الأرجنتين وبريطانيا والولايات المتحدة، ذهبت سبع جوائز في فئات الأداء التمثيلي إلى بريطانيين في مقابل ست للأميركيين، ومن بين الجوائز الغريبة فوز الممثلان المغموران إيما كورين وجوش أوكونور، بجائزتي أفضل ممثلة وممثل، عن دوري الأميرة ديانا والأمير تشارلز في مسلسل "التاج".

شكل الحفل أيضاً فرصة للاحتفاء بالمرأة والمخرجات، حيث باتت كلوي تشاو، المخرجة الأميركية من أصل صيني، أول امرأة آسيوية تفوز بجائزة أفضل مخرج، وأول امرأة تنال الجائزة منذ أن فازت بها المخرجة باربرا سترايسند عن فيلم "ينتل" العام 1984، وقد فازت كلوي تشاو عن فيلم "نومادلاند"، الذي حصد أيضا جائزة أفضل فيلم درامي، وهو يغوص في عالم "سكان المقطورات" الذين يجوبون الولايات المتحدة في مركباتهم القديمة.

لم يخل الحفل من صعوبات، إذ انقطع نقل كلمة أول الفائزين في السهرة دانيال كالويا بسبب مشكلات تقنية، في دلالة على الصعوبات الفنية في زمن الجائحة لحدث افتراضي أقيم في موقعين تفصل بينهما آلاف الكيلومترات، وتوزع الفائزون فيه على مختلف أرجاء الولايات المتحدة وخارجها أيضا. كما كان وقع المقاطع الفنية والكلمات ضعيفا للغاية؛ نتيجة القيود والتباعد الجغرافي والتدابير الصحية.

ونتيجة الانتقادات التي تواجهها رابطة هوليوود للصحافة الأجنبية، لعدم وجود شخص أسود بين أعضائها الـ 87، أقرت هيلين هون نائبة رئيسة الرابطة، بوجود "جهد كبير لا يزال يتعين علينا بذله في هذا الصدد". كما وعدت رئيسة الرابطة ميهير تاتنا بضرورة "تمثيل كل المجتمعات والفئات في صفوفنا وسننجح في ذلك الفترة المقبلة"، وأثبتت رابطة هوليوود للصحافة الأجنبية بداية التغيير بمؤشر مكافأة عدد لا بأس به من الممثلين السود، بجوائز مهمة بينهم الراحل تشادويك بوزمان وأندرا داي ودانيال كالويا، بانتظار حفل جوائز الأوسكار في 25 أبريل المقبل.
الجريدة الرسمية