رئيس التحرير
عصام كامل

"طالق" ولا شفوى يا مولانا

على الرغم من انتهاء محكمة القضاء الإدارى منذ أيام إلى عدم الاختصاص بنظر الدعوى المرفوعة ضد وزير العدل، لإلزامه بتعديل "قانون الأحوال الشخصية" وجعل الطلاق لا يقع سوى بالتوثيق الرسمى، إلا أن قضية "الطلاق الشفهى" ستظل أبرز وأكثر القضايا الفقهية جدلا، طالما لم يتم النظر إليها بعين العصر، وما يعانيه المجتمع المصرى من كوارث اجتماعية نتيجة للآراء المتشددة فى تلك القضية.

فعلى الرغم من حسم هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف أمر "الطلاق الشفهى" والانتهاء بإجماع أراء العلماء على اختلاف مذاهبهم فى فبراير 2017 إلى "وقوع الطلاق الشفهى" المستوفي الأركان والشروط، والصادر من الزوج عن أهلية وإرادة واعية، وبالألفاظ الشرعية الدالة على الطلاق" إلا أن الوجة الكارثى الآخر من القضية، والذى هدمت معه ملايين البيوت فى مصر، يستدعى ضرورة إعادة النظر فيها وفقا لطبيعة الظروف والعصر "وبما لا يخالف الشرع".
خيبة إعلام بلدنا
فالمتدبر الأمر بهدوء، يمكنه أن يكتشف وبسهولة هول الكارثة التى يعاني منها ملايين المصريين نتيجة للارتفاع غير الطبيعى لنسبة الطلاق في مصر، والذى قدرها الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء بنحو 40% من اجمالى الزيجات خلال السنوات ال 5 الأخيرة، وباجمالى يزيد عن 250 ألف حالة طلاق سنويا، فى حين قدرته إحصائيات أخرى بحالة كل 4 دقائق.

وهو الأمر الذى أشعل الجدل الفقهي حول "الطلاق الشفهي" ودفع عدد من العلماء إلى الإفتاء بعدم وقوعه إلا فى حالة التوثيق، ودفع مجلس النواب قبل 3 أعوام إلى إعداد مشروع قانون لتوثيق "الطلاق الشفهى" للحد من الكارثة، وهو المشروع الذى رفضته هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف.

ورغم ذلك، فقد دفعت فداحة الكارثة الاجتماعية، عددا من العلماء إلى مخالفة رأى "هيئة كبار العلماء" مؤكدين أن رأيها جاء صادما وكارثيا، وانتصارا لرأي الفقهاء الأربعة على حساب الحاضر.

وهو ما ذهب إليه الشيخ "خالد الجندى" الذى أكد اننا امام حالة فريدة من نوعها، حيث يتزوج الناس رسمياً، ثم يُطلقون عرفياً وبألفاظ شفوية، غير أن أغلب من يطلقون زوجاتهم شفهياً لا يدركون معنى الطلاق، بدليل أن دار الإفتاء يُعرض عليها شهريا أكثر من 3200 فتوى طلاق، ولا تنتهى لوقوعة سوى فى حالتين أو ثلاثة فقط على أكثر تقدير.
الحريم عايزة ايه؟
وأشار الجندى صراحة: "أن الطلاق الشفوي لا يعتد به في ظل وجود عقود الزواج المتعارف عليها في البلاد، لأن هذا ليس طلاقاً مطلقاً، وفق العديد من آراء الفقهاء، وهو ما جعل الطلاق بالكلام فقط، ويساهم في خراب كثير من البيوت دون سبب، رغم أنه في الحقيقة ليس طلاقاً عند كثير من الفقهاء، لأن الطلاق الشفوي لا يقع، لأن ولي الأمر قيّد الطلاق بوثيقة رسمية، وذلك بإصدار قانون عام 1931 الذى يشترط في الطلاق أن يكون عند المأذون، وبوجود شاهدين، ويتم توثيقه، وقد أقر العلماء هذا الكلام".

كما أيد هذا الرأى الدكتور "سعد الدين الهلالي" أستاذ الفقه المقارن بجامعة الأزهر، مؤكدا " أنه يجب على الشعب أن يفهم أن من ينادون بوقوع الطلاق الشفوي مغيبون عن الواقع، وأنه لابد من توثيق الطلاق ليكون واقعا، وأن الكثير من البيوت المصرية تعرضت للظلم بسبب فتاوى الطلاق الشفوي، فى حين إنه كما تم الزواج بتوثيق وبعقد، لابد من فكه أيضا بالتوثيق..

 

وهو ما يستدعى أيضا ضرورة وضع قيد على الطلاق، ليضاف إليه التوثيق والشهود ليكون صحيحاً شرعاً، ويحد من ظاهرة الطلاق، الذي أصبح كلمة سهلة تلوكها ألسنة الجهلاء، وتدفع ثمنها المرأة وأولادها، فى الوقت الذى أثبت فيه البحث العلمي وأقوال الفقهاء بطلان الطلاق الشفوى، وعدم شرعيته، أو تناسبه مع عقود الزواج.

كذلك الدكتور "أحمد عمر هاشم" أستاذ الحديث، وعضو هيئة كبار العلماء بالأزهر، الذى شدد على ضرورة ربط "الطلاق الشفوى" ب "النية" مؤكدا أنه إذا نوى الزوج الطلاق وكان صريحاً وقال لزوجته "أنت طالق" سواء قال ذلك بلسانه، أو عن طريق رسالة، أو وثقه، أو أشهد عليها، كل ذلك يجعل "الطلاق واقعاً" لقول رسول الله: "إنما الأعمال بالنيات" إلا أنه حتى في حال كتابة الطلاق، يجب أن يتم الرجوع أيضاً إلى "نية المطلق".

أؤكد انني "لا أطالب بمخالفة الشرع" وأعوذ بالله أن أطالب بمثل هذا، إلا أن سماحة الدين، وفجاعة الكارثة التى طالت ومازالت تطول ملايين البيوت المصرية، وما نتج، ومازال ينتج عنها من كوارث اجتماعية واسرية، تستدعى ضرورة مراجعة الأمر فقهيا وفقا لطبيعة وظروف العصر.. وكفى.

الجريدة الرسمية