رئيس التحرير
عصام كامل

محكمة الهاشتاج والجريمة الضاحكة

أفهم أن الصحفى مهمته الوصول إلى "معلومة" غير معلومة للغير، وليس الخوض فى الأعراض والتشهير ونقل الاتهامات والادعاءات علنا دون إجراء قانونى كاف لإنجاز تحقيق قضائي بشأنها على أقل تقدير.

وكم من القضايا تناولتها صحف وأفرد لها ناشطون مساحات على مواقع التناحر والقطيعة للحديث عنها، واتضح أنها بلا أساس. وخطورة ذلك أن صحفيا؛ أو ناشطا "محترما"؛ يدرك تماما أن مصداقيته الواسعة تقترن باحترام ميثاق شرف مهنته أولا، أو بالبعد الاجتماعي والإنساني والأخلاقي فى العمل العام؛ وله ميثاقه وقوانينه الضابطة بالتأكيد.


مقترحات لتعمير وحماية أكتوبر الجديدة

 

أقول هذا؛ وأنا ناقم ومستفز من حكم أطلقه أصحاب؛ أو صاحبات؛ هاشتاج، استهدف زميلا صحفيا شابا لم ألتق به أو أزامله فى مؤسسة يوما، ولا أفهم كيف سمح؛ أو سمحت؛ أحدنا لنفسه بالإضرار به وعائلته، لمجرد نشر ادعاءات ضده حتى قبل أن ترقى لمستوى الإبلاغ أو الاتهام الرسمي أو تصل جهات تحقيق قضائية لمباشرة عملها.

مرت الأيام لنجد الزميل نفسه هو من يتقدم ببلاغ رسمي يطالب فيه بالتحقيق فيما نشر عنه، وتعقب صفحات من كن يرددن اتهامات حول أمور نترقب فيها تحرك ضحايا "محتملات" رسميا، حتى ينتزعن حقوقهن، فى الشكوى القضائية على أقل تقدير، وبعضها يعود إلى بضع سنوات مضت.

أكتب كلماتى هذه ولا أقحم نفسي فى مزايدات على زملاء أو زميلات أو مدعيات أو ضحايا محتملات أو ناجيات من تحرش أو اغتصاب، ويعرف كثيرون موقفى وغير من الصحفيين حينما تعرضت زميلات؛ لم نكن نعرفهن بالضرورة؛ للإعتداء فى أحداث أربعاء الاستفتاء الأسود فى الخامس والعشرين من مايو عام 2005 أمام مبنى نقابة الصحفيين، وقتها لم تفرق نقابة فى مواجهة بلطجية بين زميلة نقابية وأخرى غير نقابية، كما لم يفرق قادة بلطجة الحزب المنحل بين رجل وامرأة.

على هذا الأساس أحسم موقفى مقدما من مشهد عبثي، أرفض فيه اغتيال سمعة زميل أو الإتجار بضحايا "محتملات" يثبت القضاء وحده تضررهن أو براءة الطرف الآخر متى صار متهما رسميا، وأسمو بنفسي وكل الزملاء الرافضين لجرائم التحرش والابتزاز خاصة بحق النساء والمستضعفين، وأكرر دعوتى لتغليظ عقوبتها حال اقترانها باستغلال وظيفة أو نفوذ أو الاتجار بهما.


فيروس في فخ الصحفيين

 
وأرى أن بيان مجلس نقابة الصحفيين تعامل مع الحدث مبكرا وكأنه رد فعل على غير فعل، رغم أنه شدد على ثوابت وحقائق، فأكد "رفضه التام وإدانته المطلقة، لجرائم التحرش والاعتداء الجنسي"، وأنها "تقع تحت طائلة قانون العقوبات"، الذى جعل من النيابة العامة جهة الاختصاص فى التحقيق والاتهام، ودعا كل ذي علم بوقائع تحرش للإبلاغ عنها، وأكد شطبه لأي عضو يفتقد شرط حسن السمعة حال إدانته بحكم قضائي نهائي فى قضية مخلة بالشرف.

كما أرى أن نبرة المزايدة على النقابة شديدة؛ وعلى المدعيات على الزميل أنفسهن، فذهبت بيانات وتدوينات إلى محاولة البعض تصنيف أعضاء الجمعية العمومية بين "ذكور" و"إناث"، وهو هدف أكبر لناشطات وكيانات ضربت استقرار الأسرة والمجتمع وشجعت مقترحات بقوانين داعمة لتصنيف المجتمع إلى رجل وامرأة.

تعجبت من مقترح بإنشاء لجنة نسوية داخل الكيان النقابي، رغم عدم وجود ما يمنع بالفعل مع ترأس عضو مجلس نقابة لها بحسب اللائحة والقانون، وسيكون بالصدفة "رجلا"، لأن المجلس خال من زميلات بإرادة الجمعية العمومية، وعددهن فيها مماثل لعدد الزملاء تقريبا، مع أن إنشاء "رابطة" يسهل الوصول لهذا الهدف بعد انتخاب أمانتها بين الزميلات من كافة المؤسسات.

ومع الدعوة إلى "تمثيل عادل للنساء" داخل مجلس النقابة، يمكن أن تتكشف نوايا، ويمكن توقع شكوك حول مزايدات انتخابية مبكرة على قواعد العمل النقابي وإرادة ووعي الجمعية العمومية، مع رصد الفارق بين عقل نسوي ومحكمة تمييزية تنعقد داخله، ووعي نقابي جمعي أتى يوما ما إلى مجلس النقابة بزميلات فضليات، مثل الأستاذة أمينة شفيق والرائعة عبير سعدي وبعدهما الزميلة حنان فكرى، وتجاربهن تؤكد على دورهن ومعادلة عمومية الصحفيين تجاههن.

فى حوار نقابي موضوعي يمكن أن تطرح فكرة استبعاد الاستعانة بالزميل "المشهر به أو المدعى عليه"، فى مشروعات التدريب وتجميد أى تعاون معه لحين الانتهاء من تحقيقات "قضائية"، وحال تبرئته مثلا؛ ننصحه كزملاء ألا يتواجد داخل أماكن ظهرت فيها مدعيات ضده أو مروجات لإتهامات باطلة بحقه، وإذا أدين قضائيا سنكون بين الموقعين على مطالب قانونية لمجلس الصحفيين بشطبه من جداول النقابة طبقا للقانون، لكننا نجد أنفسنا حتى الآن أمام جريمة ضاحكة، لا جثة فيها ولا سلاح.

هل تذكرون واقعة نشر موقع معروف خبرا كاذبا بتبرئة قضائية مزعومة لصحفى أدانته محكمة عليا فى قضية أموال مخلة بالشرف كان معترفا فى تحقيقاتها، واكتشفت النقابة كذب ادعاء الصحيفة التى لم تعتذر لقرائها واكتفت بإزالة الخبر الكاذب عن محررها المدان والمشطوب وآخرين من جداول النقابة منذ يناير 2017؟

ثم هل تصارحون أنفسكم بما اقترفه البعض من جرائم معنوية لم يعاقبهم عليها القانون، فى حق أبرياء؛ يوما ما؛ وجرى استخدام عصا الشرف فيها؟

هل اجتهد بعضكم للوصول إلى تمييز بين الشائعة والمعلومة، والبلاغ والاتهام، بين الثبوت والنفى، بين البراءة القضائية القاطعة والمحاكمات المجتمعية بلا سند فى جرائم الشرف بالأخص؟
حلول علمية لقضية أطفال الطلاق
أفهم أن سلاحا خاصا للضغوطات على جهات عدة لإتخاذ مواقف، والتحقيق فى وقائع قد يلجأ إليه البعض، لكن جهلا بالأمور ونفيا للأخلاق لا يمكن القبول بهما أمام حقيقة واحدة وهى أن التحقيقات تجرى بناء على بلاغات وأن الأحكام لا ينطق بها المتنازعون والمختصمون، وتلك أوجه الاعتراض على ما يدور بشأن إدانة مبكرة مزعومة للزميل الصحفى، أو أى مواطن، دون إنعقاد خصومة، وها هو بلاغه سباقا بينما صفحات مضطربة تستمر فى اتهامه مسيئة إلى مهنة لا تستحق طريقة تفكير كهذه.

أسأل من ارتضوا تلك الطريقة فى التعامل مع الزميل صراحة، كيف تتعاملون مع مصادركم حال وصولكم معلومات غير كافية حولهم، أو إمساككم بمستندات تخصهم ربما احتجتم إلى فرزها وتجنيب بعضها قبل نشرها؟ هل تستخدمون نفس الطريقة فى التعامل مع مواطنين أو رجال أعمال أو غيرهم؟ وما هى مكاسبكم "المعنوية" على الأقل من ذلك؟ 

فى محكمة الذات الفيسبوكية فقط يمكن القبول بما يحدث الآن، ويجرى معه تصوير المشهد على أن مناخ العمل الصحفي فى مصر "غير آمن للنساء"، مع إيماني الكامل بأن فسادا شهدناه لم يكن مصدره الكيان النقابي الذي تتباين تقديراتنا بشأن تقييم دور مجالس متعاقبة حول حقوقنا لديه.

أتمنى أن تتوقف الحملات الداعية دون وعي لشق الصف النقابي، وأن يصحح أصحابها مسارهم ويتعقل الجميع الأمور، وإلا تحول العمل الصحفى إلى بورصة فوضوية للاتهامات والادعاءات تجعل من المدعى عليه مدانا بحكم الهاشتاج حتى يثبت براءته، دون تحقيق أو محاكمة، وقتها لن نتعجب حينما ينحى البعض ميثاق الشرف الصحفى جانبا ليقسم على احترام ميثاق الهاشتاج والجندرية المتطرفة.

الجريدة الرسمية