رئيس التحرير
عصام كامل

الأسرار الإلهية في مملكة الإنسان (4)

عزيزي القارئ لا يزال الحديث عن أسرار الله تعالى في مملكة الإنسان، وهي أعظم مملكة في الكون وعالم التكوين.. والإنسان عبارة عن الصورة المصغرة للكون بما حوى الجامع لكل مظاهر عوالم الخلق ففيه انطوى العالم الأكبر.. وذكرنا سابقا أن مملكة الإنسان تدور حول رباعية النفس والقلب والعقل والروح، وقد حوت هذه الرباعية كل آيات الله تعالى في الكون وأسراره في عالم الخلق وقد تمضي حياة الكثير من الناس وتنتهي بوفاتهم دون أن يتعرفوا على أسرار الله تعالى في أنفسهم.

 

وحديثنا اليوم عن النفس.. النفس البشرية هي جوهر ذات الإنسان ومحل الأنا وهي أيضا أسمى وأجل مظهر في عالم الخلق فهي الجامعة لكل الأضداد الخير والشر. فنراها في صورة الملك الرحمة والإنسانية والسمو ونراها في صورة الشيطان الشر والحقد والانتقام.. 

نراها في النور والكمال. ونراها في الظلمة والنقصان. ومكمن سر ذلك ما أودعها الله تعالى فيها والقابلية للسمو والارتقاء والانحطاط والتدني. يقول سبحانه "وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا ۝ فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا". فالنفس قابلة للفجور والتقوى. قابلة للسمو والارتقاء إلى مصاف الملائكة بل قابلة أن تقام في حضرة القرب والوصل بخالقها سبحانه وتعالى.  

جهاد النفس

وبنفس القدر قابلة للانحطاط والتدني تحت مرتبة البهائم كما جاء في قوله تعالى وصفا لمن غلبت عليهم ظلمة أنفسهم وعميت عن الحق. يقول سبحانه "إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ ۖ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا". هذا والنفس أودع الحق سبحانه وتعالى فيها الغرائز والشهوات، وركب فيها الميل والهوى وهي حليفة الشيطان.. 

 

فلها يزين ويعد ويغرر، وإليها يوسوس ويخوف، وهي أعدى أعداء الإنسان كما أخبر النبي الكريم عليه الصلاة والسلام، حيث قال "أعدى عدو لك نفسك التي بين جنبيك إنها أقوى من سبعين شيطانا"، ولخطورة النفس وقوتها جعل الرسول صلى الله عليه وسلم مجاهدتها ومخالفتها أعظم صور الجهاد وسماه بالجهاد الأكبر.. 

 

وجهاد النفس يكون بمخالفة هواها وكسر شهوتها وإقامتها في ميادين الطاعة وإدخالها في حظيرة العبودية ومما يعين على ذلك، مصاحبة أهل الله تعالى وعباده الصالحين ومودتهم والإستماع إلى نصحهم والأخذ به. وقلة الطعام لكسر شهوتها وإضعافها. وقلة الكلام وكثرة الصمت لتلقيح الفكر وإعطاء العقل الفرصة للتأمل والتفكر والنظر في آيات الله عز وجل. وقلة المنام لتقوية الإرادة وصهر النفس وتقوية الروح وفك أسرها من العالم المادي وسجن الجسد.


مع الاستقامة على منهج الله تعالى والاشتغال بذكره. وإذا أراد الله تعالى بعبده خيرا جمعه على رجلين يصاحباه. رجل صالح صاحب نور بصيرة وهو الشيخ الطبيب المعالج للنفس. يدله بمنهج الله تعالى وهدي الرسول الكريم صلى الله عليه وعلى آله وسلم على الله بأقواله وأفعاله وأحواله. 

 

 

وهو الذي أشار إليه العارف بالله أحمد ابن عطاء الله بقوله "شيخك من يرقى بك حاله ويدلك على الله بمقاله". وهو الشيخ المربي الذي يعلم كوامن النفس وأمراضها وعللها. والرجل الثاني هو الخل والصديق الصالح الذي يحبه في الله وهو الذي يعينه على طاعة الله عز وجل وهو الذي إذا ذكر الله أعانه وإن غفل  ذكره..

الجريدة الرسمية