رئيس التحرير
عصام كامل

حتى أنت يا بريكس

حتى أنت يا بروتس..عبارة تقال عادة لخيانة غير متوقعة من قريب أو صديق، وقد جاء ذكرها في مسرحية يوليوس قيصر للعبقري وليم شكسبير، عندما جاء المشهد بين يوليوس قيصر وصديقه ماركوس جونيوس بروتس أثناء لحظة اغتيال قيصر، ويردد بعض النقاد أنها ذكرت في مسرحيتين سابقتين لشكسبير.


أقول حتى أنت يا بريكس بمناسبة ما جرى يوم الخميس الماضي أثناء اجتماع نواب وزراء خارجية تجمع البريكس، والمبعوثون الخاصون بمنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، الذي عقد بالعاصمة الروسية موسكو، عندما فوجئ الحضور بجنوب إفريقيا تحاول إقحام النزاع المفتعل حول الصحراء المغربية ضمن جدول الأعمال.
 

تمكن الحضور وعلى رأسهم روسيا من استبعاد طرح الملف من أساسه وباءت المحاولة بالفشل، بجهود عدد من أعضاء البريكس والحضور مع تدخل معظم الأعضاء لرفض المسألة برمتها لأسباب منطقية، حيث أثبتت الأغلبية أن الطرح غير جدى وليست له وجاهة من كافة الجوانب.


المثير أن الاجتماع شهد نقاشات مهمة حول الأمن والاستقرار والأوضاع السياسية في منطقة الشرق الأوسط باعتبارها بؤرة إهتمام العالم الآن مع ارتفاع سقف التوقعات بدخول المنطقة في صراع قد يتسع ليؤثر على سلام وأمن واقتصاد العالم وليس المنطقة وحدها.
 

نقاشات تهم محيطنا العربى بشكل خاص جرت أثناء الاجتماع بسبب تشابك الملفات الاقتصادية والأمنية وارتفاع درجة حرارة الصراع، انطلاقا من غزة إلى البحر الأحمر وما يشهده من توترات جلبت إلى المنطقة جيوش غربية، وأمريكية باتت تهدد المنطقة بعهد جديد من الصراع، الذي لا يستطيع أحد التنبؤ بما يمكن أن تؤول إليه مستقبلا.


بالطبع كانت سوريا بتفاصيل ما يجري فيها حاضرة بقوة على مائدة النقاش، وأيضا لم يكن لبنان بعيدا عن الإهتمام بما يحدث فيه مع ارتفاع سقف توقعات الحرب بين الكيان الصهيوني والجنوب اللبناني، مع تواتر الأحداث القتالية بين الطرفين يوما بعد يوم.


الأهم أن المجتمعين أدركوا أن فكرة طرح ملف الصحراء المغربية لم يكن مجديا، حيث رأى الحضور أن الأزمة مفتعلة ولا يجوز لتجمع بريكس أن يسهم من قريب أو بعيد في خلق صراع لا يعتمد على منطق تاريخي، خصوصا وأن القضية معروف تفاصيلها لكافة الحضور.


ومن الملفت للنظر أن تجمع بريكس منذ بداية ظهوره إلى الوجود وهو يحاول جاهدا التركيز على القيام بدور اقتصادي وسياسي يسهم في حل الأزمات دون التورط فيها، أو محاولة خلقها من الفراغ كما هو معروف في الموقف الأمريكي باعتبارها القوة المهيمنة الآن.


من المعروف أن الدول الأولى التي دعت إلى التجمع الاقتصادي بريكس بدأت بالبرازيل وروسيا والهند والصين فكان اسمه المتعارف عليه "بريك" وبعد انضمام جنوب إفريقيا إليه أضيف حرف "الاس" فأصبح اسم التجمع بريكس، وصارت التسمية الأشهر حتى تاريخه ورغم دعوة دول أخرى إليه، وهى دول في مجملها لم تتورط تاريخيا مثل غيرها في صراعات تزكيها بعض الدول الكبرى لتحقيق مصالحها.


ويضاف إلى ذلك أن معظم هذه الدول عانت الأمرين من هيمنة قوى الاستعمار بشكله القديم وملامحه الجديدة، وبريكس قبل انضمام دول أخرى إليه كان يمثل جغرافيا ربع مساحة اليابسة، ويصل عدد سكانه إلى 40٪ من سكان العالم.. 

وبعد انضمام دول أخرى إليه اتسع وتوسع وصار كيانا كبيرا يتوقع له الخبراء أن يصبح مع حلول العام 2050 منافسا قويا على الساحة الاقتصادية، وقد يصبح حلفا سياسيا قويا في إطار السعي إلى فكرة التعدد القطبى، وهو ما يفرض عليه القيام بدور نزيه قياسا إلى ما يجرى على الساحة الدولية الآن.


واختصارا فإن تنامي دور بريكس الاقتصادي والسياسي يفرض عليه القيام بدور أكثر شفافية في بناء عالم جديد متعدد الأقطاب، وهو ما دفع روسيا والدول الأعضاء إلى مواجهة اقتراح جنوب إفريقيا تماشيا مع الواقع والتاريخ وعدم التورط في خلق مشكلات دون أساس.

الجريدة الرسمية