رئيس التحرير
عصام كامل

عم لطفى.. رجل من زمن الوفاء

 عندما تقف على ناصية الزمن ترى في حياتك أناس بسطاء لم تكن تستقيم الحياة بدونهم، وترى فيها من الكبار أناس تندهش أن حياتك استقامت بوجودهم فيها، وترى فيها من الذين كانوا أقرب إليك وهم الأبعد بعد تجربة طالت بهم وبك، وفيها من مضوا كوميض منير أخذ قلبك وراح قلبك معهم في غمضة عين.


عم لطفى من النوع الأول وهو رجل بسيط لا يجيد القراءة والكتابة غير أن بين جوانحه حضارة تضاهي حضارة مصر الأبية، يرى ما لا يراه علماء وكتاب ومفكرون، تسكنه جينات الإخلاص للعمل بشكل لم أرَ له مثيل في حياتي، يصاحبني منذ عام 1996م ولم أفارقه يوما ولم يفارقني.


أصبح عم لطفى جزءا من حكاياتي مع كبار الصحفيين والكتاب وأحيانا مسئولين كبار يسألونني عن صحة عم لطفى، وعم لطفى يصل إلى الجريدة في السادسة صباحا، إذا مرض فإنه يأتيها في السادسة صباحا وإن أصابه مكروب يأتي في السادسة صباحا، وإن أصابه محمود يأتي إليها في السادسة صباحا، لم يغب يوما عن العمل إلا لظروف قاهرة ولا يغادرها إلا في المساء.


 عم لطفى يكاد يكون هو دفتر أحوال كل مكان عملنا فيه سويا، يعرف الناس وأقدارهم ويشع على الجميع بإطلالات إنسانية راقية مثله، يعرف أدق أسرار العمل، تحتاجه الشئون المالية ولا يستغنى عنه مجلس التحرير وتراها وهو يزور كبار الكتاب الذين كانوا معنا قديما والذين يضيئون لنا طريقا في الكتابة والصحافة الآن.


أذكر أننا عندما كنا نعمل في الأحرار وقد احتاج الراحل الكبير الدكتور صلاح قبضايا نسخة محددة من الأحرار ولم يكن موظف الأرشيف موجودا فإذا بعم لطفى يدخل عليه بالمطلوب، وعندما سأل قبضايا على عامل الصيانة لإصلاح باب مكتبه فلم يجد إلا عم لطفـى الذي أدى الغرض وقام بالمهمة، ساعتها طلبه قبضايا للعمل معه في مكتبه.


لم يرفض عم لطفـي ولكنه اشترط ألا يترك مكتبي وعمل معنا سويا وظل إلى اليوم مخلصا للدكتور قبضايا حتى بعد سنوات رحيله.. كان يزور حرم الدكتور قبضايا يوميا في المساء ليقدم لها نسخا من الطبعة الأولى يوميا وبعد رحيل السيدة نبيلة بدران ظل على اتصال إلى اليوم بابنة الدكتور قبضايا الدكتورة هبة قبضايا.


فجأة تجد عم لطفى وهو يتمتم بكلمات لا تسمع منها إلا همسا وعندما تسأله يقول "أقرأ الفاتحة للدكتور صلاح قبضايا"، وإخلاص عم لطفى حالة لا تميز بين الأشخاص فهو مخلص أمام نفسه، مخلص لكل من قابلهم، يحب الناس جميعا ولا يبغض بفطرته إلا الكسالى والمهملين.
 

في أحايين كثيرة يتصل بي زملاء ومسئولون وكتاب ليسألوا عن عم لطفى، فهو صاحب بصمة ويترك أثرا فيمن يتعامل معهم، ودون مبالغة منه يصبح قريبا من الناس كل الناس، ولم يتورط يوما في وضع نفسه جزء من أحد فهو على مسافة واحدة من الجميع.


ولم يحدث يوما أن طلبت منه الشئون الإدارية في كل الأماكن التي عملنا فيها سويا ساعة للحضور فهو الحاضر دوما. في الأعياد هو الحاضر، في الإجازات الرسمية هو الحاضر، وإذا أردت ضبط الانضباط نفسه فلن تجد إلا هو، فهو الميقات وهو الساعة التي لم تتوقف أبدا.


 منذ يومين جاء إلى مكتبي وقد بدت عليه علامات الإرهاق مستأذنا في إجازة.. أول مرة يطلب إجازة وكانت إجابتي عليه أن يحضر وقتما يشاء.. منذ أن طلب الراحة وأنا أدعو له في صلاتي بأن يمن الله عليه بالصحة والسعادة والأمان.. أدعو معي لعم لطفى.

الجريدة الرسمية