رئيس التحرير
عصام كامل

حكومة على طريقة أبو قردان

في قريتنا الصغيرة كانوا يحكون لنا أقصوصة طريفة عن ذلك الطائر الأبيض الجميل «أبو قردان»، وهو المعروف لدى الريفيين من أمثالى بأنه صديق الفلاح، وهو طائر لطيف يساعد الفلاحين على تنقية التربة الزراعية من دود يستوطنها لا نراه، ولكنه يعرف موضعه ويستخرجه ويتقوت عليه.


أبو قردان فى الأسطورة الشعبية هو الطائر الوحيد الذى لا يبتنى عشا له، يقضى حياته هكذا بلا بيت يحميه من حر الصيف ولا من برد الشتاء، وهو في عز البرد يقف على ساق واحدة وسط المزروعات المملوءة بالمياه، ويدفن رأسه تحت جناحه من طقس مزعج.


قالوا لنا إن أبو قردان كلما جاءت ليالى الشتاء القارسة وأمام وحش البرد القاسى يردد بينه وبين نفسه بأن هذا البرد لا يحتمل، ومن ثم يقرر أنه فى الصباح الباكر سيبدأ في بناء عش يحميه من تلك القسوة المزعجة، ثم يأتى الصباح وتطل الشمس بنورها وحرارتها، فماذا يفعل أبو قردان؟


يفرد أبو قردان جناحيه مستقبلا الحياة، سعيدا بدفء الشمس ونورها وينطلق طائرا في السماء وهو يردد “طظ يا برد الليل”، ويمضى طوال النهار في سعيه من أجل لقمة عيشه متنقلا بين الحقول يخرج من باطنها ما يسد جوعه وهو سعيد بشمس بديعة ودافئة.


وعندما يدخل عليه الليل ويعانى نفس المعاناة وتحاصره الرياح من كل حدب وصوب ويشتد البرد الرهيب فيدفن رأسه تحت جناحه، ويفكر مليا فيما يمكن أن يفعله إنقاذا لنفسه من هذا المناخ البشع، وتخرج من بين أفكاره أنه وفى الصباح الباكر لابد أن يبتنى له عشا يحميه من ويلات البرد.


يتكرر المشهد على أبو قردان، وهو هكذا طوال تاريخه يعيش بلا عش متنعما بشمس النهار، وفى الليل وكل ليل يقرر ذات القرار، وعندما يأتى الصبح يعلنها صريحة مدوية “طظ يا برد الليل”.. هكذا هى حياة أبو قردان صديق الفلاح وهكذا تمضى به الأيام.

الأموال الساخنة والقرض الجديد

لا أعرف ما هى العلاقة بين موقف أبو قردان وموقف الحكومة المصرية، ولكنى أستشعر أن هناك موقفا موحدا بينهما، عندما تضيق الظروف بالحكومة وتشتد الأزمة الاقتصادية تقرر أنها لن تعتمد على الأموال الساخنة، فقد كانت وبالا علينا، وتقرر أنها ستفتح ذراعيها للاستثمار الوطنى والعالمى.


وعندما تنساب الدولارات في شرايين الاقتصاد من جهة ما أو من مشروع ما أو حتى من قرض ما، فإنها وعلى الفور تردد ما يردده أبو قردان “طظ في الاستثمار والمستثمرين”، وتمضى بنا الحياة بعد حل الأزمة مؤقتا، وبفعل ظرف استثمارى نادر أو أموال ساخنة تنساب أو بيع شركات أو أراض فتعود إلى القرار القردانى المؤقت.. لابد من فتح نوافذ البلد وزيادة الإنتاج والاهتمام بالصناعة والزراعة والسياحة وكل روافد الدولار.


وتنفرج الأزمة دون تخطيط، وإنما بفعل ظرف إيجابى أتاح لنا ولاقتصادنا أن يحيا مرة أخرى، وهنا تنسى الحكومة برد الليل وتتجاهل مناخا قاسيا كاد أن يعصف بنا، وتبدأ فى تبديد الأموال أو حتى في وضعها لسد الاحتياجات الأساسية وسد القروض، وفجأة تعود الأزمة فتقرر الحكومة أنها ستبنى لها عشا يحميها من ويلات السوق.


بعد صفقة رأس الحكمة خرجنا مؤقتا من عنق الأزمة، وأطلت شمس الدفء علينا وتنفسنا الصعداء، وأعلن البنك المركزى عن قرارات مهمة تأخرت سنوات بحكم الظلمة والبرد القارس، ولكننا لم نعلن حتى الآن عن مشروع تنموى حقيقى يفك طلاسم الروتين الحكومى المؤثر سلبا على جذب رءوس الأموال خارجيا وداخليا.


وتوقف حديث الحكومة عند القرض الجديد باعتباره بشرى تسر الناظرين، وباعتباره نجاحا غير مسبوق، وباعتباره شهادة للاقتصاد المصرى، وباعتباره حلا مع أنه وسيلة قليلة الحيلة لتمهيد الطريق أمام انطلاقة يمكننا من خلالها بناء عش يحمينا من برد الليل.

 


الحكومة ماضية فى غيها، وعلى طريق أبو قردان تمشى وتتلكأ، دون أن تعلن عن مشروع حقيقى يخرج البلاد والعباد من شرنقة البرد الذى كاد يعصف بنا طوال سنوات مضت ونحن فى قاع الشتاء الذى يمتد ببلادنا إلى ما هو أبعد من الفصول حيث لا نهاية لبرد الشتاء.

الجريدة الرسمية