فيتو
رئيس التحرير
عصام كامل

من سرطان البنكرياس إلى ملفات الفساد.. نتنياهو كعب داير بين المحاكم في أعقد أزماته السياسية.. يراوغ بسلاح النسيان والروايات المتضاربة لمواجهة الاتهامات

رئيس الوزراء الإسرائيلي
رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو

في وقت يواجه فيه ضغوطا سياسية وأمنية غير مسبوقة، يجد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، المطلوب للمثول أمام المحكمة الجنائية الدولية بتهم ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية خلال حرب الإبادة على غزة، نفسه عالقا في سلسلة متشابكة من المعارك القضائية التي تمتد من دعاوى التشهير المتعلقة بحالته الصحية إلى محاكمات الفساد التي تلاحقه منذ سنوات.

وبينما يسعى نتنياهو للدفاع عن سمعته ونفي الشائعات بشأن إصابته بأمراض خطيرة، يواصل الادعاء الإسرائيلي تضييق الخناق عليه في ملفات الرشوة والاحتيال وإساءة الأمانة، وسط انتقادات متزايدة لأدائه أمام المحكمة ولجوئه إلى سياسة المراوغة من بوابة "النسيان"، ما يسلط الضوء على مستقبله السياسي والقانوني، على الرغم من دهائه السياسي القادر على تغيير اتجاه عقارب الساعة متى شاء. 

مقاضاة الصحفيين بسبب سرطان البنكرياس

في السياق، عاد بنيامين نتنياهو، اليوم الخميس، للإدلاء بشهادته في دعوى التشهير التي أقامها مطالبا بتعويض قدره 500 ألف شيكل (حوالي 178 ألف دولار) ضد الناشط في الاحتجاجات والمحامي جونين بن إسحاق والصحفيين أوري ميسجاف من جريدة "هآرتس" وبن كاسبيت من جريدة "معاريف".

وأدلى نتنياهو بشهادته أمام محكمة تل أبيب الجزئية، في دعوى تشهير تتعلق بتفاصيل إصابته بالسرطان، متهما الثلاثة بأنهم نشروا معلومات غير صحيحة عن حالته الصحية. 

وبحسب موقع "والا" الإسرائيلي، قال نتنياهو في الجزء الأول من شهادته الشهر الماضي: "صحتي جيدة، ولم أصب بسرطان البنكرياس كما نشر. لو كان الأمر كذلك، لما كنت هنا". 

وأضاف: "آمل أن يكون كل من ادعى أنني مريض بمرض عضال حاضرا. وإن لم يكونوا حاضرين، فسنقاضيهم جميعا. لقد زعموا أيضا أن حالتي النفسية لم تكن جيدة".

نتنياهو: إنه حكم ضدي بالإعدام

وقبل نحو شهرين، كشف نتنياهو، المطلوب للمثول أمام المحكمة الجنائية الدولية بتهم ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في غزة، أنه خضع لعملية جراحية وعلاج إشعاعي بعد اكتشاف إصابته بسرطان البروستاتا، وذلك في أعقاب إخفاء مطول لحالته الصحية، مما أدى إلى موجة من الشائعات والمنشورات على مواقع التواصل الاجتماعي.

نتنياهو يتعمد التهرب من قضايا الفساد بزعم عدم القدرة على تذكر تفاصيل الأحداث
نتنياهو يتعمد التهرب من قضايا الفساد بزعم عدم القدرة على تذكر تفاصيل الأحداث

وبعد الدعوى القضائية التي رفعها، أمرته المحكمة بتسليم أحدث ملف طبي له في ظرف مختوم، وتقديم تفاصيل حول تاريخ اكتشاف المرض.

ومن بين المنشورات التي كانت محور الدعوى القضائية، منشور للصحفي بن يتسحاق، ذكر فيه أن نتنياهو مصاب بسرطان البنكرياس. 

وقد رفعت الدعوى ضد مسغاف بعد منشورات "لمحت إلى وجود حالة صحية غير طبيعية لا يتم الإبلاغ عنها للجمهور بصدق"، بينما يدعي نتنياهو أنه "أوضح في دعواه أنه لا يعاني من مرض عضال، وبالتأكيد ليس البنكرياس".  

وذكر كاسبيت في مقال نشره عن اجتماع عقد بين اللواء احتياط أميرام ليفين، قائد نتنياهو في وحدة سيريت متكال التابعة لجيش الاحتلال الإسرائيلي، والذي زعم بعده أنه يعتقد أن رئيس الوزراء "غير لائق ويشكل خطرا على الدولة"، بحسب موقع "والا". 

ورد نتنياهو قائلا: "لقد زعم أنني مصاب بسرطان البنكرياس. إنه حكم بالإعدام. لا يستغرق الأمر وقتا طويلا، وقد حدث ذلك عدة مرات من قبل". 

تاريخ مرضي مثير للجدل

رد المحامي الذي يمثل مسجاف على تصريحات نتنياهو قائلا: "لم يرد في الدعوى التي رفعها المدعى عليه مسجاف أي ذكر لإصابتك بسرطان البنكرياس أو أنك مريض بمرض عضال".

وقال نتنياهو: "لم أتمكن من تخصيص الوقت الكافي للاستعداد للجلسة. لقد استعددت بالحقائق. أتذكر أن أوري مسجاف يكذب باستمرار، ويكذب كذبا محضا ليظهر أنني لست بصحة جيدة. والسيد مسغاف، الذي اطلع على ملفي الطبي وما كتبه الأطباء، أضاف مرة أخرى في منشوراته أن هناك مخاوف من انتشار السرطان إلى الرأس والرقبة. وكان يعلم مسبقا أنني لا أعاني من سرطان البنكرياس، ويعرف كل تاريخي المرضي".

وأضاف نتنياهو قائلا: لقد كذب كذبا محضا، فباستثناء تضخم البروستاتا الذي عولج لاحقا وتبين أنه حميد تماما، لم يكن هناك شيء آخر.

النسيان سلاحا للمراوغة

من جهتها، كشفت جريدة "هآرتس" الإسرائيلية عن مشهد قضائي استثنائي رسم ملامح المرحلة الأخيرة من محاكمة نتنياهو، والتي جرت أمس الأربعاء جراء اتهامه بقضايا فساد، مضيفة أن "المتهم الأقوى في تاريخ إسرائيل، بدا وكأنه يخوض معركة من نوع آخر داخل قاعة المحكمة، لا بالحجج القانونية وحدها، بل بسلاح النسيان الانتقائي والروايات المتضاربة، في مواجهة مع المدعي العام يهوناتان تدمور"، الذي تصفه الجريدة بـ"الصارم والمنهجي في ملاحقة المتهم".

ورصدت "هآرتس" نمطا ممنهجا تكرر عبر جلسات الاستجواب كافة، إذ عجز نتنياهو عن استحضار أبسط التفاصيل، من أسماء الأشخاص وما قيل ومتى.

والأمر لا يقتصر على بعد الزمن، إذ تشير الجريدة إلى أن هذا النمط ليس وليد اليوم، بل يمتد إلى ما قبل عقود، حين كان يتبخر خيط الذاكرة لديه بعد أسابيع قليلة من وقوع الأحداث.

وتوضح "هآرتس" أن نتنياهو تعلم من أمهر المحامين الذين مثلوه درسا محوريا، وهو أن الكذب الصريح القابل للدحض خطر، أما "لا أتذكر" فلا يمكن إثباتها كذبا، ما لم تكذبها وثيقة أو تسجيل، وهنا تحديدا يكمن الفخ الذي وقع فيه.

نتنياهو وزوجته سارة التي تلاحقها أيضا قضايا فساد
نتنياهو وزوجته سارة التي تلاحقها أيضا قضايا فساد

وفقًا لـ"هآرتس"، عندما واجه الادعاء نتنياهو بتسجيل محادثاته مع صاحب جريدة "يديعوت أحرونوت" أرنون موزس في عامي 2009 و2014 قبيل انتخابات الكنيست، فيما وصف بصفقة رشوة تضمنت تغطية إعلامية مؤاتية مقابل نفوذ تشريعي، عاد نتنياهو فورا إلى ملجئه المعتاد، وهو النسيان، زاعما أن تلك المحادثات كانت هامشية لدرجة أنها طارت من ذاكرته كليا، على حد وصفه.

روايتان لا تلتقيان

للدفاع عن صفقته مع موزس، قدم نتنياهو روايتين متناقضتين بحسب "هآرتس"، الأولى أن موزس صحفي وما جرى تبادل مهني مألوف بين الإعلام والسياسة، والثانية وهي الأشد غرابة -وفق ما تشير إلى الجريدة العبرية- وهي أن موزس زعيم معارضة سياسية، ولهذا فإن الاتفاق معه مناورة مشروعة لا تستحق الإنكار، وكأن تناقض الروايتين لم يكن يلاحظه أحد.

ولجأ نتنياهو أيضا إلى حجة قانونية أخرى، إذ استشهد بموقف مستشاره السابق راز نزري، أحد كبار المسؤولين في النيابة القانونية للحكومة، الذي أبدى في حينه رأيا بعدم وجود مخالفة جنائية في تلك المحادثات، متسائلا: كيف يحاسب على ما أجازه من هو أعلم منه بالقانون؟

غير أن "هآرتس" تكشف أن نزري نفسه كان من المؤيدين لتوجيه الاتهامات لنتنياهو في قضايا أخرى، ما يسقط الحجة ويقلبها ضده.

ملف لن يغلق بسهولة

وعلى صعيد المآلات، تصف "هآرتس" أفق نتنياهو القانوني بالقاتم، إذ إن فرص التسوية بالخروج من البلاد تبخرت في أعقاب توتر علاقته بالرئيس الأمريكي دونالد ترامب، والعفو الرئاسي من الرئيس إسحق هرتسوج بات مدفونًا، فيما يظل خيار العفو العام بمناسبة الذكرى الثمانين لإقامة الدولة عام 2028 ورقةً هشة في مهب الريح.

وتختتم "هآرتس" بملاحظة لاذعة، وهي أن المحكمة العليا، حتى لو حاول نتنياهو إعادة رسم خريطة النيابة القضائية، ستبقى حارسة للملف وعازمة على استكماله حتى النهاية.

  • في الفيديو المرفق نتنياهو يطلب من الرئيس الإسرائيلي إصدار عفو عنه في قضية الفساد التي تنظر بحقه منذ فترة طويلة، معتبرًا أن الإجراءات الجنائية تعيق قدرته على الحكم.