ملامح نظام إقليمي يعيد تشكيل الاستراتيجية الأمنية بالشرق الأوسط.. تحركات تمتد من واشنطن إلى القاهرة مرورا بالرياض.. والدوحة وأنقرة وإسلام آباد ضمن خريطة التحولات الجديدة
هل يتجه الشرق الأوسط نحو نسخة جديدة من "عقيدة نيكسون"؟ سؤال يفرض نفسه مع تنامي أدوار قوى إقليمية، بينها مصر والسعودية وتركيا وقطر وسلطنة عمان وباكستان، في إدارة التوازنات الأمنية والسياسية بالمنطقة، في ظل توجه أمريكي متزايد لتقليص الانخراط المباشر والاعتماد على الشركاء الإقليميين.
وفي مقال نشره موقع "ذا ناشيونال إنترست" الأمريكي المتخصص في الشؤون السياسية، يرى إيلدار ماميدوف، مسؤول العلاقات البرلمانية لوفود البرلمان الأوروبي مع إيران والعراق وشبه الجزيرة العربية، أن الاتفاق الذي أنهى المواجهة بين واشنطن وطهران، والمعروف باسم “مذكرة إسلام آباد" (مذكرة التفاهم الأمريكية الإيرانية)، لا يمثل مجرد تسوية مؤقتة للصراع، بل قد يكون مؤشرا على تحول أعمق في بنية النظام الإقليمي في الشرق الأوسط.
ويرى الكاتب أن هذا التحول يعكس عودة محتملة إلى "عقيدة نيكسون" التي طرحت عام 1969، والقائمة على إسناد مسؤولية حفظ الأمن والاستقرار إلى القوى الإقليمية بدلا من الاعتماد على التدخل الأمريكي المباشر.
نقطة تحول في ميزان الشرق الأوسط
يقول ماميدوف إن الولايات المتحدة تبدو في طريقها للعودة إلى دور "الموازن الخارجي"، أي تقديم الدعم السياسي والاقتصادي والعسكري من الخلف، مع ترك إدارة التوازنات اليومية للقوى الإقليمية في الشرق الأوسط. وإذا استمر هذا المسار، فقد ينظر إلى "مذكرة إسلام آباد" مستقبلا باعتبارها نقطة تحول نقلت الشرق الأوسط من مرحلة الهيمنة الأمريكية المباشرة إلى مرحلة تقاسم النفوذ بين مجموعة من القوى الإقليمية.

ويضيف أن الشرق الأوسط يشهد اليوم نسخة جديدة من هذه العقيدة، لكن بصيغة أكثر تعددية، إذ لم يعد الاعتماد محصورا في حليف أو حليفين رئيسيين، بل يجري الدفع نحو تشكيل ما يشبه "تكتلا إقليميا" يضم مصر وباكستان وقطر والسعودية وتركيا وسلطنة عمان، للمشاركة في إدارة التوازنات الأمنية والسياسية في المنطقة.
تحول أمريكي لافت
ويظهر أحد أوضح مظاهر هذا التحول في الموقف الخطابي الأمريكي تجاه إسرائيل بعد إعلان المذكرة. فقد ردت التيارات اليمينية المتطرفة في إسرائيل بغضب على الاتفاق، معتبرة أنه تنازل لإيران. لكن بدلا من تعديل موقفها استجابة للانتقادات، دافعت إدارة ترامب علنا عن الاتفاق وأكدت عزمها على المضي في سياسة خفض التصعيد، بحسب ماميدوف.

ويضيف: قال نائب الرئيس جي دي فانس، الذي لعب دورا محوريا في المفاوضات، في تصريح غير معتاد: "لو كنت في الحكومة الإسرائيلية، لما هاجمت الحليف القوي الوحيد المتبقي لي في العالم"، مشددا على أن "ثلثي الأسلحة الدفاعية" التي تحمي إسرائيل "صنعت بأيد أمريكية ودفعت من أموال دافعي الضرائب الأمريكيين".
وكانت الرسالة واضحة، وهي أن الأهداف الاستراتيجية الأمريكية الأوسع لن تخضع لتفضيلات الشركاء الإقليميين، بما في ذلك إسرائيل بحسب الكاتب.
الدعم من مسافة بعيدة
يقول ماميدوف: بينما يبقى مدى استدامة المذكرة غير مؤكد، إذ قد تتحول إلى هدنة مؤقتة لا إلى بنية جيوسياسية جديدة، فإنها تكشف بالفعل عن اتجاه مهم يتمثل في عودة الولايات المتحدة إلى دور "الموازن الخارجي"، عبر تشجيع القوى الإقليمية على تحمل مسؤوليات أكبر في حفظ النظام، مع تقديم الدعم من مسافة بعيدة.

لكن مسؤول العلاقات البرلمانية لوفود البرلمان الأوروبي مع إيران والعراق وشبه الجزيرة العربية، يرى في الوقت ذاته أنه "مع مطالبة الولايات المتحدة لشركائها بتحمل مسؤولية أكبر في أمن المنطقة، فإنها قد تدرك أيضا التهديدات التي قد تعيق قدرتهم على القيام بذلك. وفي حالة باكستان تحديدا، قد يشمل ذلك دعمها في مواجهة تهديدات إرهابية من حركة طالبان باكستان وجيش تحرير بلوشستان، الذي استهدف بشكل متزايد مشروعات البنية التحتية والأصول الاستراتيجية في إقليم بلوشستان، مؤديا إلى سقوط آلاف الضحايا جراء تصاعد العنف".
مواجهة إيران المكلفة
يقول المقال: إن "عقيدة نيكسون" ولدت من إدراك أن الإدارة العسكرية المباشرة للمناطق البعيدة تفرض كلفة لا تستطيع الولايات المتحدة تحملها إلى ما لا نهاية. وقد تعكس "مذكرة إسلام آباد" إدراكا مماثلا لهذا الواقع، في ظل المواجهة المكلفة التي خاضتها واشنطن مع إيران، والتي دفعتها نحو تبني مقاربة أكثر ميلا إلى نظام إقليمي أقل اعتمادًا على التدخل المباشر المستمر.
ويضيف: أن المنطق الأساسي، رغم تغير الأسماء وتعدد الأطراف مقارنة بعصر نيكسون، لا يزال قائما، ويتمثل في تحقيق توازن مستقر تقوده الدول الإقليمية بدلا من إدارة أمريكية مباشرة، وهو ما يقترب من التصور الذي وضعه مهندسو "عقيدة نيكسون".
ويختتم ماميدوف مقاله بالقول: إذا استمر هذا الاتجاه، فقد ينظر المؤرخون إلى "مذكرة إسلام آباد" باعتبارها لحظة انتقال من مرحلة الهيمنة الأمريكية إلى مرحلة "تجمع" من القوى الإقليمية، حيث يتقاطع المنطق الجديد مع جوهر "عقيدة نيكسون" رغم اختلاف السياقات وتعدد الفاعلين.