فيتو
رئيس التحرير
عصام كامل

في الذكرى الـ28 لوفاته، كيف أصبح الشعراوي ظاهرة دعوية تجاوزت حدود الزمن؟

الشيخ محمد متولى
الشيخ محمد متولى الشعراوي، فيتو

ثمانية وعشرون عامًا مرت على رحيل  الشيخ محمد متولي الشعراوي، لكن حضوره في وجدان المصريين والعالم الإسلامي لا يزال قويا، وكأن صوته الذي ملأ المساجد والشاشات لم يغب يومًا، فـ«إمام الدعاة» لم يكن مجرد عالم أزهري أو مفسر للقرآن الكريم، بل ظاهرة دعوية استثنائية نجحت في تقريب معاني القرآن إلى عامة الناس بلغة بسيطة وأسلوب فريد جمع بين العلم والبلاغة وسهولة الطرح، فاستطاع أن يحجز لنفسه مكانة خاصة في قلوب الملايين.

ذكرى وفاة الشيخ محمد متولى الشعراوي

وفي الذكرى الثامنة والعشرين لوفاته، التي تحل في 17 يونيو، تتجدد سيرة أحد أبرز رموز الدعوة الإسلامية في العصر الحديث، الذي ترك تراثًا علميًا ودعويًا ما زال مصدر إلهام للأجيال المتعاقبة، وأثرًا ممتدًا تجاوز حدود الزمان والمكان.

نشأة الشيخ الشعراوي 

وُلد الشيخ الشعراوي في ١٥ من أبريل عام ١٩١١م بقرية دقادوس، مركز ميت غمر بمحافظة الدقهلية، ونشأ في بيت كريم محب للعلم والقرآن الكريم، فأتم حفظ كتاب الله في الحادية عشرة من عمره، والتحق بالمعاهد الأزهرية حتى تخرّج في كلية اللغة العربية بالقاهرة عام ١٩٤١م، وحصل على العالمية مع إجازة التدريس من كلية اللغة العربية عام ١٩٤٣م.
بدأ الشيخ الشعراوي مسيرته العلمية مدرسًا بالمعاهد الأزهرية في طنطا والزقازيق والإسكندرية، ثم انتقل إلى السعودية ضمن البعثة الأزهرية أستاذًا للشريعة بجامعة أم القرى بمكة المكرمة، قبل أن يعود إلى مصر ليتولى عددًا من المناصب العلمية والدعوية، من بينها مدير مكتب  شيخ الأزهر، ورئيس بعثة الأزهر في الجزائر، ومدير أوقاف محافظة الغربية، ثم وكيل الأزهر الشريف.

الرحلة العلمية للإمام محمد متولى الشعراوي 

وفي عام ١٩٧٦م تولّى منصب وزير الأوقاف وشئون الأزهر، حيث أسهم في تطوير العمل الوقفي وتعزيز رسالة الدعوة الإسلامية، قبل أن يتفرغ بعد ذلك للعلم والتفسير والدعوة، ويمثل مرحلة فريدة في تبسيط علوم القرآن الكريم وجعلها في متناول الجميع.

وقد ارتبط اسم الشيخ الشعراوي ببرنامج «نور على نور»، الذي قدّم فيه تفسيرًا شفهيًّا متكاملًا للقرآن الكريم، فنجح في إيصال المعاني القرآنية بأسلوب سلس ومؤثر، حتى أصبح موعد عرضه حدثًا ينتظره الملايين داخل مصر وخارجها عبر الإذاعة والتليفزيون، كما أطلق برنامجه التلفزيوني الشهير «خواطر الشعراوي» في أواخر السبعينيات، ليصبح أول تفسير متلفز يُقدَّم بلغة بسيطة تخاطب العامة والنخبة على السواء.
وعُرف الشيخ الشعراوي بوسطيته الفكرية، وعمق طرحه العلمي، وقدرته على الجمع بين أصالة التراث ومتطلبات العصر، إلى جانب مواقفه الوطنية والدعوية، وجهوده في تصحيح المفاهيم الدينية وبناء الوعي الإسلامي الرشيد.

الجوائز والتكريميات التي حصل عليها الشيخ الشعراوي

ونال الإمام الشعراوي العديد من الجوائز والتكريمات تقديرًا لمسيرته العلمية والدعوية، من أبرزها وسام الاستحقاق من الدرجة الأولى، ووسام الجمهورية من الطبقة الأولى، والدكتوراه الفخرية من جامعتي المنصورة والمنوفية، كما اختارته رابطة العالم الإسلامي عضوًا بالهيئة التأسيسية لمؤتمر الإعجاز العلمي في القرآن الكريم والسنة النبوية، واختير شخصية العام الإسلامية في الدورة الأولى لجائزة دبي الدولية للقرآن الكريم عام ١٩٩٨م.
وخلّف الإمام الشعراوي تراثًا علميًّا وفكريًّا ثريًّا، من أبرز آثاره تفسير الشعراوي للقرآن الكريم، وكتب: «القضاء والقدر»، و«قصص الأنبياء»، و«معجزة القرآن»، و«المرأة في القرآن الكريم»، و«الإسراء والمعراج»، و«الحلال والحرام»، فضلًا عن العديد من الخطب والدروس والمحاضرات التي أسهمت في نشر الوعي الديني وترسيخ الفهم الصحيح لتعاليم الإسلام.
وقد ظل الإمام الشعراوي مع القرآن تعليمًا وتفسيرًا ودعوةً حتى أواخر حياته، حتى انتقل إلى رحمة الله تعالى في ١٧ من يونيو ١٩٩٨م، بعد مسيرة حافلة بالعطاء العلمي والدعوي، تاركًا تراثًا علميًّا خالدًا وتفسيرًا قرآنيًّا ما زال حاضرًا في وجدان الأمة الإسلامية.

كيف أصبح الشعراوي ظاهرة دعوية تجاوزت حدود الزمن؟

ولم يكن الشيخ محمد متولي الشعراوي مجرد داعية أو عالم أزهري تقليدي، بل نجح في أن يصنع حالة استثنائية في تاريخ الدعوة الإسلامية المعاصرة، فقد امتلك قدرة فريدة على تبسيط المعاني القرآنية العميقة وتقديمها لعامة الناس بلغة سهلة وأمثلة قريبة من واقعهم اليومي، وهو ما جعله ضيفًا دائمًا على بيوت المصريين والعرب لعقود طويلة.

تأثير الشيخ الشعراوي في مجال الدعوة الإسلامية 

 كما أسهم حضوره الإعلامي الواسع وبرنامجه الشهير في تفسير القرآن الكريم في وصول رسالته إلى ملايين المشاهدين، بينما عززت شخصيته المتواضعة وأسلوبه الهادئ من مكانته لدى الجمهور، وبعد رحيله، لم يتراجع تأثيره، بل ازدادت مساحة حضوره مع انتشار تسجيلاته وخواطره الدينية عبر القنوات الفضائية ومنصات التواصل الاجتماعي، لتبقى كلماته مصدرًا للمعرفة والإلهام لأجيال لم تعاصره، وهو ما جعل منه ظاهرة دعوية نادرة استطاعت أن تتجاوز حدود الزمان والمكان.