حقيقة الرزق وتعدد أنواعه وأشكاله في القرآن الكريم والسنة النبوية
الرزق هو ما يُنتفع به الانسان من عطاء الله، ولا يقتصر على المال وحده؛ بل يشمل الصحة، وراحة البال، والعمل الصالح، والعلم.
وهو عطاء مقسوم ومكتوب، والسعي فيه عبادة تتطلب الأخذ بالأسباب مع التوكل، فعن مطرف بن عبدالله بن الشخير عن أبيه قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقرأ (ألهاكم التكاثر) قال: ((يقول ابن آدم: مالي مالي قال: وهل لك يا بن آدم من مالك إلا ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو تصدقت فأمضيت))؛ [مسلم ح (2959)]، وللرزق أنواع كثيرة باعتبارات مختلفة، وخلال هذه السطور سنتعرف على أنواع الرزق وأشكاله والأحاديث النبوية الواردة في الرزق.
الرزق الظاهر والباطن
1- رزق ظاهر للأبدان كالأقوات.
2- رزق باطن للقلوب والنفوس كالمعارف والعلوم؛ [لسان العرب 5/ 203].
رزق الإيجاب والسلب
1- رزق الإيجاب: هو الذي يزيد في دخل الإنسان.
2- رزق السلب: هو الذي يمنع الإنسان من أن ينفق ماله فيما لا طائل منه، أو ما ليس في حاجة إليه بحيث يُستنفَد كله أو جله.
ويسمى رزق السلب برزق البركة فالإنسان عندما يكون دخله يسيرًا من حلال، فيبارك الله له فيه على قلته، ومن كان دخله كثيرًا من حرام تفتح له مصارف المال الكثيرة فيضيع فيها المال، فماله كثير لكنه حُرم البركة فيه.
ولعلنا في حياتنا اليومية نتعجب ممن يكون دخله يسيرًا كيف يعيش به؟ ونسينا أن الله عز وجل قد أودع في هذا الدخل البركة، وفي قلب صاحب الدخل اليسير القناعةَ.
رزق السعي
1- رزق يسعى إليه الإنسان: وهو أن يضع الإنسان الخطط والمشاريع ويستخرج لها بحساباته المكاسب المنشودة منها، فهو يسعى لتحقيق تلك المكاسب، وقد يدركها وقد لا يدركها؛ لأن كل شيء بمشيئته وقدرته عز وجل.
2- رزق يسعى إلى الإنسان: وهو أن يسعى الإنسان ويجتهد في عمله ويتقنه، وهو في ذلك متوكل على الله عز وجل لا ينساه طرفة عين، فيعطيه أكثر مما كان متوقعًا: ﴿ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ﴾ [الحديد:21، الجمعة: 4].
والله عز وجل منَّ عليه بفضله، فرزقه الله من حيث لا يحتسب؛ لأنه كان يتقي الله ويراقبه في عمله؛ قال تعالى: ﴿ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ ﴾ [الطلاق: 2، 3].
رزق الحلال والحرام
1- الرزق الحلال: كل ما انتفع به الإنسان من طريق مشروع لا تشوبه شائبة، وهذا الرزق الذي ضمنه الله لعباده المتقين.
قال تعالى: ﴿ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ ﴾ [الطلاق: 2، 3].
2- الرزق الحرام: كل ما انتفع به الإنسان عن طريق غير مشروع كالرشوة والربا وغير ذلك... وهذا الرزق ضمنه الله لغير المتقين من عباده بما يناسبهم؛ قال تعالى على لسان خليله عليه السلام: ﴿ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ﴾ [البقرة: 126]، والله عز وجل يعاقب من انتفع من مال حرام،
وعن حذيفة رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((إن روح القدس نفث في روعي أنه لن تموت نفس حتى تستكمل رزقها؛ فاتقوا الله وأجملوا في الطلب، ولا يحملنكم استبطاء الرزق على أن تطلبوه بمعصية الله؛ فإن ما عند الله لا يُنال إلا بطاعته))؛ [رواه البزار ح (1253)].
والرزق ليس قاصرًا على شيء بعينه، فليس قاصرًا على المال فحسب كما يفهم البعض، وإنما له صور متعددة؛ منها: العلم، والمال، والجنة، والماء، وسماع سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وتطبيقها، والفقه في الدين، وفهم القرآن الكريم، والكلم الطيب، واعتناق الإسلام، والشهادة في سبيل الله، والصبر، والأولاد، والبركة في الرزق رزق، والعمل وأجر العامل عليه رزق، وأكل الصائم وشربه ناسيًا، والصحة، والأمن والأمان، والزوجة الصالحة رزق، وحب الزوج لزوجته.
فعن عائشة رضي الله عنها قالت: ((ما غِرت على نساء النبي صلى الله عليه وسلم إلا على خديجة وإني لم أدركها، قالت: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ذبح الشاة فيقول: أرسلوا بها إلى أصدقاء خديجة، قالت: فأغضبته يومًا فقلت: خديجة! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إني قد رُزقت حبها))؛ [أخرجه مسلم ح (2435)].
أحاديث عن الرزق
1) روى مسلم عن عبدالله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنةٍ، قال: وعرشه على الماء))؛ (مسلم حديث 2653).
2) روى الشيخان عن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الصادق المصدوق: ((إن أحدَكم يُجمَع خلقه في بطن أمه أربعين يومًا، ثم يكون علقةً مثل ذلك، ثم يكون مضغةً مثل ذلك، ثم يبعث الله ملَكًا فيؤمر بأربع كلماتٍ، ويقال له: اكتُبْ عمله ورزقه وأجله، وشقي أو سعيد، ثم ينفخ فيه الروح، فإن الرجل منكم ليعمل حتى ما يكون بينه وبين الجنة إلا ذراع فيسبق عليه كتابه فيعمل بعمل أهل النار، ويعمل حتى ما يكون بينه وبين النار إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة))؛ (البخاري حديث 3208/ مسلم حديث 2643).
3) روى أبو نعيم عن أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن رُوح القدس (أي جبريل) نفَث (ألقى) في رُوعي (قلبي) أن نفسًا لن تموتَ حتى تستكمل أجلها، وتستوعب رزقها؛ فأجملوا في الطلبِ، ولا يحملَنَّ أحدَكم استبطاءُ الرزق أن يطلبه بمعصيةٍ؛ فإن اللهَ لا ينال ما عنده إلا بطاعته))؛ (حديث صحيح) (صحيح الجامع للألباني حديث: 2085).
4) روى الطبراني عن أبي الدرداء رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إن الرِّزقَ ليطلُب العبدَ أكثرَ مما يطلبه أجله))؛ (حديث حسن) (صحيح الجامع للألباني - حديث 1630).
5) روى الحاكم عن جابر بن عبدالله رضي الله عنهما: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((لا تستبطئوا الرزقَ؛ فإنه لم يكن عبد ليموتَ حتى يبلغه آخرُ رزقٍ هو له؛ فاتقوا الله وأجمِلوا في الطلب: أخذ الحلال، وترك الحرام))؛ (حديث صحيح) (صحيح الجامع -للألباني - حديث: 7323).
6) روى الطبراني وأبو نعيم عن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه، قال: أضاف النبيُّ صلى الله عليه وسلم ضيفًا، فأرسل إلى أزواجه يبتغي عندهن طعامًا، فلم يجد عند واحدةٍ منهن، فقال: ((اللهم إني أسألك مِن فضلك ورحمتك؛ فإنه لا يملِكُها إلا أنت))، قال: فأُهديَ إليه شاة مَصْليَّة (أي مشوية)، فقال: ((هذه مِن فضل الله، ونحن ننتظر الرحمة))؛ (حديث صحيح) (السلسلة الصحيحة للألباني - جـ 4 -صـ 57- حديث 1543).