فيتو
رئيس التحرير
عصام كامل

الدعم على طاولة الأحزاب.. الوفد: نجاح المنظومة الجديدة مرهون بعدالة الحكومة.. التجمع: تحويل "العيني" خطوة تمهيدية لإلغاءه.. والكرامة: “النقدي” لن يكون الحل السحري

الدعم النقدي
الدعم النقدي

في وقت تتجه فيه الحكومة نحو التحول من منظومة الدعم العيني إلى الدعم النقدي، تتزايد التساؤلات بشأن مدى قدرة هذا التحول على تحقيق العدالة الاجتماعية وضمان وصول الدعم إلى مستحقيه الفعليين، لا سيما في ظل التحديات الاقتصادية الراهنة وتراجع القوة الشرائية واتساع الضغوط التي تواجه الطبقة المتوسطة. 

“فيتو” طرحت هذه المسألة الحيوية على عدد من الكوادر الحزبية؛ استكمالا للحوار المجتمعي، ووصولا إلى الحل الأمثل.

 تقليص أعباء الدعم

وفي هذا السياق، قال عبد العزيز النحاس، القيادي بحزب الوفد: إن الأزمات الاقتصادية التي تشهدها مصر تدفع الحكومة إلى البحث عن آليات جديدة لإدارة ملف الدعم وتوفير الموارد المالية، معتبرًا أن التوجه نحو الدعم النقدي يمثل أحد الأدوات التي تستهدف تقليص أعباء الدعم على الموازنة العامة، على غرار الإجراءات التي اتُخذت خلال السنوات الماضية لرفع أسعار عدد من السلع والخدمات، ولكن من خلال آلية مختلفة.

وأوضح النحاس في تصريحات لـ"فيتو"، أن نجاح منظومة الدعم النقدي يتوقف بالدرجة الأولى على وجود قاعدة بيانات دقيقة وشاملة للمستحقين، مؤكدًا أنه في حال توافر حصر عادل وحقيقي للفئات المستحقة، فإن الدعم النقدي قد يكون أكثر كفاءة من الدعم العيني، لأنه يمنح الأسر مرونة أكبر في تحديد أولويات الإنفاق وتلبية احتياجاتها الفعلية.

وأضاف أن التحدي الأبرز يتمثل في وضع معايير واضحة وعادلة لتحديد المستفيدين من الدعم، مشيرًا إلى أن هناك شرائح واسعة تعاني من تدني مستويات الدخل، من بينها بعض العاملين في قطاعات مهنية مختلفة، في وقت أصبحت فيه تكاليف المعيشة تفوق بكثير دخول عدد كبير من الأسر المصرية.

وأشار القيادي بحزب الوفد إلى أن أعباء المعيشة، بما تشملها من إيجارات وفواتير خدمات واحتياجات غذائية وتعليمية وصحية، تجاوزت قدرات شريحة واسعة من المواطنين، ما يفرض ضرورة إعادة النظر في المعايير التي سيتم على أساسها تحديد المستحقين للدعم النقدي، وكذلك الحد الأدنى للدخل المؤهل للاستفادة منه.

وأكد النحاس أن السنوات الأخيرة شهدت تآكلًا ملحوظًا في أوضاع الطبقة المتوسطة نتيجة ارتفاع معدلات التضخم وتراجع قيمة العملة مقارنة بمستويات الدخول، الأمر الذي أدى إلى انتقال قطاعات منها إلى دائرة الفئات الأكثر احتياجًا، فيما ازدادت الضغوط الاقتصادية على الشرائح الأقل دخلًا.

وشدد على أن القضية لا تتعلق فقط بالتحول من الدعم العيني إلى الدعم النقدي، بل ترتبط في الأساس بمدى قدرة الحكومة على وضع منظومة عادلة وشفافة لتحديد المستحقين وضمان وصول الدعم إليهم بكفاءة، بما يسهم في تعزيز الحماية الاجتماعية وتخفيف الأعباء عن الفئات الأكثر احتياجًا.

توجيهات صندوق النقد

وفي السياق ذاته، أكدت الكاتبة الصحفية أمينة النقاش، القيادية بحزب التجمع، أن التوجه نحو التحول من الدعم العيني إلى الدعم النقدي المباشر يأتي في إطار سياسات طالما دعت إليها المؤسسات المالية الدولية، وعلى رأسها صندوق النقد الدولي، ضمن برامج الإصلاح الاقتصادي المرتبطة بمنح القروض، محذرة من أن هذه الخطوة قد تمهد على المدى الطويل لتقليص منظومة الدعم التقليدية بصورة أوسع.

وقالت النقاش، في تصريحات خاصة لـ"فيتو"، إن الحكومات المصرية المتعاقبة تعرضت على مدار عقود لضغوط تدفع نحو تقليص دور الدولة الاقتصادي وخفض الإنفاق العام، مشيرة إلى أن منظومة الدعم السلعي الحالية تخدم نحو 68 مليون مواطن، وتوفر احتياجات أساسية تمثل عنصرًا مهمًا في حياة الفئات الأكثر احتياجًا.

وأضافت أن النظر إلى الدعم باعتباره عبئًا على الموازنة العامة فقط لا يعكس الصورة الكاملة، مؤكدة أن هناك بدائل أخرى يمكن اللجوء إليها لتوفير موارد مالية إضافية، من بينها التوسع في تطبيق الضرائب التصاعدية على أصحاب الدخول المرتفعة، وتعزيز الضرائب على الثروات والاستثمارات الكبرى.

وأوضحت أن الدعم النقدي يظل أكثر عرضة للتأثر بمعدلات التضخم وارتفاع الأسعار، لافتة إلى أن القيمة النقدية المخصصة للمواطنين قد تتآكل سريعًا في ظل موجات الغلاء المتلاحقة، بينما يوفر الدعم العيني سلعًا أساسية بصورة مباشرة، بما يضمن تلبية جانب من الاحتياجات الضرورية للأسر المستفيدة.

وشددت القيادية بحزب التجمع على أن بطاقات التموين لا تمثل مجرد آلية لصرف السلع المدعومة، بل تعد إحدى أهم أدوات الحماية الاجتماعية والعلاقة المباشرة بين الدولة والمواطن، معتبرة أن أي مساس بها يجب أن يسبقه توفير بدائل تضمن الحفاظ على مستوى الحماية المقدم للفئات المستحقة.

وحذرت النقاش من أن التحول إلى الدعم النقدي وحده لن يكون كافيًا لمعالجة التحديات الاقتصادية التي تواجهها البلاد، إذا لم يتزامن مع سياسات إنتاجية وتنموية أوسع، مؤكدة أن تحقيق نمو اقتصادي مستدام يتطلب التوسع في الاستثمار الزراعي والصناعي، وزيادة معدلات الإنتاج المحلي، بما يوفر موارد حقيقية للدولة ويحد من الاعتماد على الاقتراض.

وأكدت أن نجاح أي إصلاح لمنظومة الدعم يجب أن يقاس بمدى قدرته على حماية الفئات الأكثر احتياجًا والحفاظ على قوتها الشرائية، وليس فقط بحجم الوفر المالي الذي يمكن أن يحققه للموازنة العامة.

الكرامة: الدعم العيني ليس سيئًا في جميع الأحوال

ومن جانبه، أكد المهندس محمد سامي، الرئيس الشرفي لحزب الكرامة، أن مسألة التحول من الدعم العيني إلى الدعم النقدي لا ينبغي التعامل معها بمنطق القبول أو الرفض المطلق، مشددًا على ضرورة دراسة كل قطاع على حدة قبل اتخاذ أي قرارات مصيرية في هذا الملف.

وقال سامي، في تصريحات لـ"فيتو"، إن "الدعم العيني ليس سيئًا في جميع الأحوال، كما أن الدعم النقدي ليس الحل السحري لكل المشكلات"، موضحًا أن نجاح أي توجه للإصلاح يتطلب دراسة متأنية لطبيعة كل خدمة أو سلعة ومدى ملاءمة آلية الدعم المطبقة عليها.

وأوضح أن إدارة هذا الملف تحتاج إلى مؤسسات وجهات تمتلك الكفاءة والخبرة الفنية اللازمة، إلى جانب توافر قدر كافٍ من الثقة والمصداقية لدى الرأي العام، لافتًا إلى أن مناقشة القضية بشكل أوسع داخل أروقة الحوار الوطني كان من شأنه أن يسهم في تحقيق توافق مجتمعي أكبر حول أي قرارات مستقبلية تتعلق بمنظومة الدعم.

وأضاف الرئيس الشرفي لحزب الكرامة أن أحد المبررات الرئيسية التي يستند إليها المؤيدون للتحول إلى الدعم النقدي يتمثل في الحد من تسرب الدعم إلى غير المستحقين، إلا أنه يرى أن القضاء على التسرب بصورة كاملة أمر يصعب تحقيقه عمليًا في دولة يتجاوز عدد سكانها 100 مليون نسمة، مؤكدًا أن وجود بعض أوجه القصور أو التجاوزات لا يمثل مبررًا كافيًا لإلغاء منظومة الدعم العيني بشكل كامل.

وأشار إلى أن مفهوم الدعم يتجاوز السلع التموينية ورغيف الخبز، ليشمل قطاعات حيوية أخرى مثل الصحة والتعليم والنقل العام والمرافق الأساسية، موضحًا أن هناك خدمات ومؤسسات ذات طبيعة استراتيجية لا يمكن التعامل معها وفق منطق التحويلات النقدية المباشرة، نظرًا لدورها الحيوي في حياة المواطنين.

وأكد سامي أن بعض القطاعات قد تكون مؤهلة لتطبيق أنماط مختلفة من الدعم النقدي أو الدعم الموجه، بينما تظل قطاعات أخرى بحاجة إلى استمرار الدعم العيني أو الدعم المباشر من الدولة، مشددًا على أن القضية تتطلب حلولًا مرنة تراعي طبيعة كل قطاع واحتياجات الفئات المستفيدة.

وتابع أن أي إصلاح لمنظومة الدعم يجب أن يستند إلى حوار مجتمعي واسع ودراسات دقيقة تضمن مشاركة مختلف الأطراف المعنية، بما يحقق التوازن بين كفاءة الإنفاق العام والحفاظ على الحماية الاجتماعية للفئات الأكثر احتياجًا.

واختتم تصريحاته بالتأكيد على أن ردود الفعل الشعبية تجاه عدد من القضايا الاقتصادية خلال الفترة الأخيرة تعكس وجود حالة من التوتر والاحتقان المكتوم لدى بعض الفئات، نتيجة شعور قطاعات من المواطنين بوجود تفاوت في الاستفادة من المزايا والخدمات العامة، وهو ما يستوجب التعامل بحذر شديد مع أي تغييرات تمس منظومة الدعم، نظرًا لما تمثله من أهمية مباشرة في حياة ملايين المواطنين.