فيتو
رئيس التحرير
عصام كامل

بيدرو سانشيز.. صوت أوروبا المدافع عن غزة.. اتهم الاحتلال الإسرائيلي بارتكاب جرائم إبادة.. ودعم حق لامين يامال في رفع علم فلسطين.. وواجه سياسات ترامب المتشددة

رئيس الحكومة الإسبانية
رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز

بيدرو سانشيز، من داخل قاعة تابيس ذات الجدران الكريمية، حيث يستقبل ضيوفه وسط أعمال فنية تحمل توقيع كبار الرسامين الإسبان، يطل رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز بملامح هادئة ونظرات واثقة تعكس إيمانه بخياراته السياسية. فالرجل الذي تصدر المشهد الأوروبي بمواقفه الداعمة للقضية الفلسطينية وانتقاداته الحادة لإسرائيل، بات ينظر إليه بوصفه أحد أبرز الأصوات المدافعة عن العدالة الدولية وحقوق الشعوب، وأحد أكثر القادة الأوروبيين تمسكا باستقلالية القرار الأوروبي في مواجهة عنجهية الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.

يدرك سانشيز أهمية كلماته، فالرجل الهادئ، البالغ من العمر 53 عاما، بات يمثل أحد أبرز وجوه اليسار على مستوى العالم، ما تجسد بوضوح في موقفه الرافض لاعتقال الولايات المتحدة للرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، وزوجته، واصفا ذلك بـ"انتهاك للقانون الدولي".

ويرفض سانشيز بقوة –أيضا- فكرة الخضوع للرئيس الأمريكي ومطالبته التي تنتهي لأوروبا بزيادة الإنفاق العسكري، قائلا: أحيانا يكون من الحكمة إنفاق المزيد من الأموال على مساعدات التعاون أو تعزيز التعددية بدلا من مجرد شراء الأسلحة من صناعة الدفاع الأمريكية.

لكن موقف سانشيز من الحرب الإسرائيلية على غزة ربما كان السمة الأبرز في حضوره الدولي؛ إذ يعد من أبرز القادة الأوروبيين الذين استخدموا مصطلح "الإبادة الجماعية" لوصف جرائم الحرب الإسرائيلية في غزة؛ ويأتي ذلك امتدادا لنهج إسباني توج باعتراف إسبانيا بدولة فلسطين عام 2024، وهو القرار الذي عزز صورة سانشيز كأحد أكثر القادة الأوروبيين جرأة في التعاطي مع الصراع الفلسطيني الإسرائيلي.

رفض مطلق لمجلس السلام في غزة

وبينما تردد قادة آخرون، أعلن سانشيز عن اتخاذ إجراءات مختلفة ضد إسرائيل، بما في ذلك منع استخدام الموانئ والمجال الجوي الإسباني لنقل الوقود أو الأسلحة إلى الجيش الإسرائيلي بهدف زيادة الضغط على الحكومة الإسرائيلية. وكان حاسما أيضًا في رفضه الانضمام إلى "مجلس السلام" الذي أنشأه ترامب لغزة، لأنه "يتجاوز الأمم المتحدة ويفتقر إلى مشاركة الفلسطينيين".

وفي وقت اكتفى فيه العديد من القادة الأوروبيين بمواقف حذرة، مضى سانشيز إل نقاط أبعد من مجرد الإدانة السياسية، معلنا منع استخدام الموانئ والمجال الجوي الإسباني في نقل الوقود أو الأسلحة الموجهة إلى جيش الاحتلال الإسرائيلي. كما اتخذ موقفًا حاسمًا برفض الانضمام إلى "مجلس السلام" الخاص بغزة الذي طرحه ترامب، معتبرا أن هذه المبادرة تتجاوز دور الأمم المتحدة وتهمش الفلسطينيين، وتفتقر إلى الشرعية اللازمة لتحقيق سلام دائم؛ وطالب دول الاتحاد الأوروبي باتخاذ مواقف حاسمة والضغط من أجل ضمان وقف إطلاق النار، وتعليق اتفاقية الشراكة مع سلطات الاحتلال الإسرائيلي بسبب الوضع الإنساني في غزة.

لامين يامال ورفع علم فلسطين

لم تقتصر مواقف سانشيز الداعمة للقضية الفلسطينية على الساحة السياسية، بل امتدت إلى المجال الرياضي أيضا. فقد دافع عن حق النجم الإسباني من أصول مغربية لامين يامال في رفع العلم الفلسطيني خلال احتفالات تتويج فريق برشلونة بلقب الدوري الإسباني، معتبرا أن هذه اللفتة تعبر عن مشاعر التضامن التي يتقاسمها ملايين الإسبان مع الشعب الفلسطيني، في مواجهة الانتقادات وحملات التحريض الصهيونية التي تعرض لها اللاعب.

لامين يامال يرفع العلم الفلسطيني خلال احتفالات تتويج فريق برشلونة بلقب الدوري الإسباني
لامين يامال يرفع العلم الفلسطيني خلال احتفالات تتويج فريق برشلونة بلقب الدوري الإسباني

وقال سانشيز: من يعتبر التلويح بعلم دولة فعلا ينطوي على الكراهية إما أنه فقد صوابه أو أعماه الخجل عن رؤية الحقيقة، وما قام به يامال ليس سوى تعبير مشروع عن التضامن الإنساني مع فلسطين، ويمثل ذلك سببا إضافيا يدعو إلى الفخر باللاعب الشاب.

اكسروا حاجز الصمت في غزة 

وأمس الأحد، شارك سانشيز، برفقة زوجته بيجونيا جوميز، في مهرجان "بريمافيرا ساوند" الموسيقي بمدينة برشلونة، الذي ارتبط خلال السنوات الأخيرة بمواقف فنانين وجمهور داعم للقضية الفلسطينية ومندد بالحرب الإسرائيلية على غزة. ونشر سانشيز عبر حسابه على منصة "إنستجرام" مقاطع مصورة من حضوره فعاليات اليوم الختامي للمهرجان، الذي شهد رفع شعارات من بينها "اكسروا الصمت في غزة" و"لا للحرب".

ويعكس هذا الحضور انسجاما مع الخطاب الذي يقدمه سانشيز بوصفه صوتا حر للجنوب العالمي، ومدافعا عن حقوق الشعب الفلسطيني، في سياق أوروبي ينتهج فيه قادة أوروبيون آخرون ممارسة "معايير مزدوجة" في تعاملهم مع ملف غزة؛ ويقول سانشيز: نحن ثابتون ومتماسكون.

سانشيز برفقة زوجته بيجونيا جوميز في مهرجان
سانشيز برفقة زوجته بيجونيا جوميز في مهرجان "بريمافيرا ساوند" الموسيقي الذي ارتبط بدعم فلسطين

وعلى صعيد السياسة الخارجية أيضا، ترى حكومة سانشيز أن الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران "غير مبررة"، وأن الوضع في لبنان "عار على الضمير الإنساني"، في ظل نزوح أكثر من 1.2 مليون نازح جراء حرب "غريبة ومفروضة تجعل من الشعب اللبناني مجرد ضحية".

من كرة السلة إلى رئاسة الحكومة

يشغل سانشيز، الذي يهوى ممارسة رياضة كرة السلة، منصب رئيس الحكومة الإسبانية منذ يونيو 2018. وهو حاصل على درجة الدكتوراه في الاقتصاد، ويشغل منصب الأمين العام لحزب العمال الاشتراكي الإسباني، الذي انضم إليه عام 1993. وقبل ذلك، كان عضوا في مجلس النواب عن دائرة مدريد الانتخابية، وعضوا في مجلس مدينة مدريد. 

حصل رئيس الوزراء الإسباني على درجة البكالوريوس في العلوم الاقتصادية وإدارة الأعمال من كلية ماريا كريستينا الملكية الجامعية، وأكمل دورتين للدراسات العليا؛ حيث حصل على درجة الماجستير في اقتصاديات الاتحاد الأوروبي من الجامعة الحرة في بروكسل، ودبلوم في الدراسات المتقدمة للتكامل الاقتصادي والنقدي الأوروبي من معهد أورتيجا إي جاسيت الجامعي. وفي عام 2012، حصل بيدرو سانشيز على درجة الدكتوراه في الاقتصاد من جامعة كاميلو خوسيه سيلا، حيث كان يحاضر في الاقتصاد. وعمل مستشارا في البرلمان الأوروبي وكان عضوا في مكتب مجلس الوزراء للممثل السامي للأمم المتحدة في البوسنة والهرسك.

إنجازات اقتصادية إسبانية

على الرغم من علامات الاستفهام التي تلاحق حزبه بشبهات فساد، فقد حقق سانشيز نجاحات كبيرة فيما يخص الملف الاقتصادي الداخلي، حيث صنفت إسبانيا كأحد أسرع الاقتصادات الكبرى نموا في القارة الأوروبية، مع توقعات بنمو الناتج المحلي الإجمالي بنحو 2.4% خلال عام 2026، أي ما يقارب ثلاثة أضعاف متوسط النمو في منطقة اليورو.

مظاهرات إسبانية شعبية ضد حرب الإبادة الإسرائيلية في غزة
مظاهرات إسبانية شعبية ضد حرب الإبادة الإسرائيلية في غزة

وفي إطار سياسات الحد من الفوارق الاجتماعية، رفعت الحكومة الإسبانية الحد الأدنى للأجور بأكثر من 60% منذ وصول سانشيز إلى السلطة، بالتوازي مع استمرار تراجع معدلات البطالة. كما استفاد الاقتصاد الإسباني بشكل ملحوظ من تدفقات الهجرة خلال السنوات الأخيرة، في ظل وصول موجات من المهاجرين الذين يتمتعون بمستويات تعليمية ومهارات مهنية متقدمة نسبيا، ما عزز قدرتهم على الاندماج في سوق العمل. وفي بلد يواجه تحديات متصاعدة تتعلق بشيخوخة السكان، أصبح المهاجرون عنصرا حاسما في دعم النشاط الاقتصادي، إذ تشير التقديرات إلى أنهم يشغلون نحو ثلثي الوظائف الجديدة، ويساهمون بحوالي 80% من نمو الناتج المحلي الإجمالي الإسباني.

إسبانيا هي الحرية

ويقول سانشيز: للهجرة بعد أخلاقي، كما أن لها بعدا عمليا. وعلينا أن نسأل أنفسنا: هل نفتح مجتمعاتنا ونعزز النمو، أم ننغلق على أنفسنا وننكمش؟

كما أسهم قراره في عام 2023 بمنح عفو لقادة الحركة الانفصالية الكتالونية، الذين نظموا استفتاء محظورا عام 2017 وأعلنوا من جانب واحد الاستقلال عن إسبانيا، في تهدئة أحد أكثر القضايا تعقيدا في المشهد السياسي الإسباني، والتي وُصفت بأنها كانت "تسمم السياسة الإسبانية لغياب حل واضح لها". وقد ربط سانشيز هذا التوجه بشعار "إسبانيا هي الحرية".

وبين حضوره الأوروبي البارز، وخطابه القائم على الدفاع عن العدالة الدولية، وتمسكه باستقلالية القرار الأوروبي، ورهانه على نموذج اقتصادي يجمع بين النمو وتقليص الفوارق الاجتماعية واستيعاب الهجرة، يبقى حضور سانشيز اللافت علامة فارقة في المشهد السياسي الإسباني والأوروبي والدولي، وصوتا حرا جعل منه أيقونة يسارية في القارة العجوز.