فيتو
رئيس التحرير
عصام كامل

في ذكرى رحيله، الشيخ إمام عيسى قيثارة الغلابة الذي هز العروش بالعود والكلمة

الشيخ إمام عيسى والشاعر
الشيخ إمام عيسى والشاعر أحمد فؤاد نجم

في مثل هذا اليوم، السابع من يونيو عام 1995، رحل عن عالمنا الشيخ إمام عيسى، تاركًا خلفه إرثًا فنيًا ونضاليًا استثنائيًا، لم يكن يمتلك صوتًا جميلًا بالمعايير الكلاسيكية، لكنه كان صوتًا مؤثرًا هزّ الوجدان، وعُرف بمطرب المثقفين، مشكّلًا حالة غنائية فريدة وغريبة في زمنه. 

عبرت ألحانه وأغانيه عن أوجاع الشباب، واستطاع أن يكون صوت الغناء المعارض وأحد رواد الغناء السياسي في الوطن العربي، من خلال غناء الشعر والزجل الملتزم، صانعًا برفقة الشاعر أحمد فؤاد نجم ثنائية تاريخية من أشهر نتاجها أغنية "مصر يامه يا بهية"

ولد الشيخ إمام عيسى عام 1918 بقرية أبو النمرس بمحافظة الجيزة، في كنف أسرة فقيرة لأبٍ يكسب قوته من بيع مصابيح الجاز التي كانت وسيلة الإنارة السائدة آنذاك.

فقد الشيخ إمام بصره في الشهور الأولى من ولادته لأسباب غير معروفة، لتلازمه النظارة السوداء حتى وفاته. 

توجّه إلى كتاب القرية وأتم حفظ القرآن الكريم في سن الحادية عشرة على يد الشيخ عبد القادر ندا، كما أتقن العزف على آلة العود وهو صغير على يد الموسيقار كمال الحمصاني، ليعشق العزف والغناء في الأفراح والموالد الشعبية.

الشيخ امام يعزف على عوده 
الشيخ امام يعزف على عوده 

من ترتيل التجويد إلى مقهى "محمد رفعت" المحظور

بدأت موهبة الشيخ إمام الفنية تتبلور في سن التاسعة من عمره، محاكيًا الموشحات الدينية التي كان يستمع إليها في الجمعية الشرعية بقريته، وسرعان ما انضم للجمعية وهو في الثانية عشرة من عمره ليتعلم التجويد، إلا أن مسيرته هناك انتهت بالفصل بعد أربع سنوات، إثر ضبطه متلبسًا بالاستماع إلى صوت الشيخ محمد رفعت عبر الراديو في أحد المقاهي، حيث كان السائد في ذلك الوقت بين مشايخ الجمعية أن الاستماع إلى الإذاعة "حرام".

وفي ذات يوم من عام 1938، قادت المصادفة الشيخ درويش الحريري ــ الأستاذ بمعهد الموسيقى العربية ــ للاستماع إلى الشيخ إمام وهو يقرأ القرآن في صالون حلاقة بالقرية. 

أُعجب الحريري بموهبته وتولى تعليمه الموسيقى على أصولها، ملقنًا إياه الموشحات الدينية والأندلسية، واصطحبه إلى جلسات الطرب؛ وهناك تعرف إمام على الموسيقار الكبير زكريا أحمد، الذي استعان به كعضو في فرقته وبطانته الغنائية.

نجم وإمام 
نجم وإمام 

لقاء "حوش قدم".. ولادة الدويتو التاريخي بين نجم وإمام

جاء الشيخ إمام إلى القاهرة، وشهدت العاصمة محطة التحول الأبرز في حياته حين التقى بالشاعر أحمد فؤاد نجم عبر صديق مشترك، ليشكلا معًا أهم ثنائية في تاريخ الأغنية الاحتجاجية العربية. 

بدأت الرحلة بأغنية عاطفية كتبها نجم ولحنها الشيخ إمام وعزفها على عوده وهي: "أنا أتوب عن حبك.. أنا اللي في بعدك هنا.. أنا باترجاك الله يجازيك.. يا شاغلني معاك".

ونظرًا لتوطد الصداقة بينهما، تشارك الاثنان العيش في غرفة واحدة متواضعة بـ "حوش قدم" في حي الغورية العريق. ومن تلك الغرفة، انطلق شكل جديد للأغنية السياسية الملتزمة التي وجدت طريقها سريعًا إلى عقول وقلوب المصريين، ومنها: "أنا الأديب الأدباتي.. غايظني حال بلدياتي"، و"جيفارا مات"، و"يا عبد الودود"، و"غيرهم مفيش"، و"شيلني وأشيلك".

الشيخ إمام عيسى 
الشيخ إمام عيسى 

زلزال في نقابة الصحفيين.. ومذكرات "سيد الملحنين"

في عام 1968، شهدت نقابة الصحفيين أول مواجهة مباشرة للثنائي مع الجمهور في حفل تاريخي حضره أكثر من ألف صحفي، حيث تعالت الأصوات تردد الأغاني خلف إمام في صوت واحد.

ووصف نقيب الصحفيين آنذاك، كامل زهيري، صوت الشيخ إمام بأن فيه "قسوة وفكاهة وروحًا مصرية هي أقرب إلى ألحان الشعب"، بينما وصف كلمات نجم بأنها "صريحة وقاسية ومليئة بالمفارقات وتعبر عن اللحظة".

وعن كواليس هذا التعاون، كتب الشيخ إمام في مذكراته: "في سنة 1962 التقيت بفؤاد نجم وكان لقاؤنا بداية جديدة لي وله معًا. سألني عندما التقينا: لماذا لا تلحن؟ فقلت: لأنني لا أجد الكلمات، فقال لي: اسمع هذا النموذج، وقدم لي أغنية عاطفية لحنتها على الفور. وحين بدأت في التلحين اكتشفت إلى أي حد يمكن لمقرئ القرآن الكريم الذي حفظه جيدًا وأتقن لغته وأساليب تجويده أن يكون ملحنًا.. بل أن يكون سيد الملحنين لو كان يستمتع بقدر من الموهبة".

8 اعتقالات.. فاتورة الدفاع عن "الغلابة" وانتقاد السلطة

دفع الشيخ إمام ضريبة مواقفه وأغانيه اللاذعة؛ حيث قدم أروع الأعمال التي انتقدت نكسة يونيو 1967، ولاحقًا معاهدة كامب ديفيد وسياسات الرئيس السادات، فغنى "بقرة حاحا" و"الحمد لله خبطتنا تحت بطاطنا"، وهو ما أدى إلى اعتقاله. 

وفي السبعينيات، وتزامنًا مع انتفاضة الخبز في 18 و19 يناير (التي وصفها السادات بانتفاضة الحرامية)، قدم أغنية "الفول واللحمة"، ليعاد اعتقاله مجددًا؛ ووصل مجموع مرات اعتقاله إلى 8 مرات بسبب مواقفه السياسية.

وبعد اغتيال الرئيس السادات والإفراج عنه، استعاد الشيخ إمام نشاطه الفني مقدّمًا حزمة من الروائع المعارضة والوطنية التي تداولتها الأجيال، ومنها: "مصر يامه يا بهية يا أم طرحة وجلابية"، "البحر بيضحك ليه؟"، "قوقة المجنون"، "هم مين وإحنا مين؟"، "شرفت يا نيكسون بابا"، "فاليري جيسكار ديستان"، "اتجمعوا العشاق"، "ساعة العصاري"، "عشق الصبايا"، "يا خواجة يا ويكا"، "يا فلسطينية"، و"صباح الخير على الورد اللي فتح في جناين مصر".

وقيعة الغيرة ونهاية الرحلة في عزلة الغورية

إلى جانب أشعار رفيق دربه أحمد فؤاد نجم، انفتح الشيخ إمام على غناء قصائد وأشعار قامات أخرى مثل نجيب سرور، وفؤاد قاعود، وتوفيق زياد، وزين العابدين محمد. هذا الانفتاح أثار غيرة "نجم" وحساسيته، مما تسبب في حدوث وقيعة وخلافات بينهما؛ حيث اتهم الشيخ إمام صديقه الشاعر بمحاولة احتكار صوته ومشروعه الفني لحسابه الشخصي دون الآخرين.

وعندما بلغ الشيخ إمام سن السبعين، وعقب تفاقم الخلاف والانفصال عن نجم، آثر الشيخ العزلة التامة والاعتكاف في حجرته الفقيرة بحي الغورية، مبتعدًا عن الأضواء والصخب، حتى صعدت روحه إلى بارئها في هدوء تام يوم 7 يونيو 1995، مخلفًا وراءه تاريخًا لا يُمحى وصوتًا سيبقى دائمًا لسان حال البسطاء.