الخبير الاقتصادي الدكتور محمد أنيس لـ"فيتو": الفساد والقروض أسرع طريق للانهيار المالي للدول.. قادرون على الوفاء بالتزاماتنا لكن الأمر يتطلب استمرار الإصلاحات الاقتصادية وزيادة الإنتاج والصادرات
في عالم الاقتصاد لا تسقط الدول بالدبابات فقط، بل قد تنهار بالأرقام والديون وعجز السداد، وبينما تواجه اقتصادات العالم موجات تضخم وارتفاع فوائد وأزمات ديون متلاحقة، عاد مصطلح “إفلاس الدول” ليتصدر المشهد العالمي، خاصة بعد تعثر دول كبرى وطلب بعضها الإنقاذ من المؤسسات الدولية.
وبات السؤال الذي يشغل الشارع: ماذا يعني إفلاس دولة؟ وهل يمكن أن تستيقظ الشعوب على بنوك مغلقة وعملات منهارة وارتفاع جنوني للأسعار؟ والأهم: هل مصر بعيدة عن هذا السيناريو أم تقترب من شبحه؟
في هذا الحوار الخاص، يكشف الدكتور محمد أنيس الخبير الاقتصادي وعضو الجمعية المصرية للاقتصاد والتشريع حقيقة مفهوم إفلاس الدول، وأبرز المؤشرات التي تدق ناقوس الخطر، وكيف تنجو الاقتصادات قبل الوصول إلى مرحلة الانهيار الكامل.

في البداية.. هل تعني كلمة “إفلاس” أن الدولة لا تملك أموالًا نهائيًا، أم أن المقصود هو العجز عن سداد الديون والالتزامات الخارجية؟
تفلس الدولة حين تعجز عن الوفاء بالتزاماتها المالية وسداد ديونها الخارجية أو الداخلية في مواعيدها المحددة. ما يسمى “التعثر السيادي” يحدث عندما تفقد الدولة قدرتها على توفير السيولة أو العملات الأجنبية اللازمة للسداد، وهو ما يؤدي إلى اهتزاز ثقة المستثمرين والمؤسسات الدولية، ويرفع تكلفة الاقتراض بصورة كبيرة. بعض الدول تلجأ في هذه المرحلة إلى إعادة هيكلة ديونها أو التفاوض مع الدائنين وصندوق النقد الدولي لتجنب الانهيار الكامل، مؤكدًا أن الإفلاس ليس إعلانًا بانتهاء الدولة، لكنه يمثل مرحلة خطيرة جدًا اقتصاديًا واجتماعيًا.

ما أبرز الأسباب التي تدفع الدول نحو الإفلاس مثل الديون الضخمة، الفساد، ضعف الإنتاج، والحروب؟
أخطر ما يدفع الدول نحو الانهيار المالي هو الاعتماد المفرط على الاقتراض دون وجود نمو إنتاجي حقيقي قادر على توليد إيرادات مستدامة تسهم في سداد تلك الديون مستقبلًا. الفساد الإداري وضعف التخطيط الاقتصادي يؤديان إلى إهدار الموارد، خاصة عندما يتم توجيه الإنفاق لمشروعات غير ذات أولوية أو لا تحقق عائدًا اقتصاديًا سريعًا، بالتزامن مع تراجع قطاعات الصناعة والزراعة والتصدير.
وأكد أن الحروب والأزمات السياسية العالمية تمثل كذلك عنصر ضغط خطير على الاقتصادات، لأنها تؤدي إلى هروب الاستثمارات وارتفاع أسعار الطاقة والغذاء عالميًا، وهو ما يضاعف الأعباء على الدول التي تعاني أصلًا من هشاشة اقتصادية.

هل انهيار العملة وارتفاع التضخم ونقص الدولار وزيادة الاقتراض مؤشرات حقيقية على دخول الاقتصاد منطقة الخطر؟
هناك مؤشرات واضحة تدق ناقوس الخطر اقتصاديًا، من أبرزها التراجع الحاد في قيمة العملة المحلية أمام العملات الأجنبية، لأن ذلك يعكس ضعف الثقة في الاقتصاد وارتفاع الطلب على الدولار. التضخم المرتفع بصورة متسارعة يعد أحد أخطر المؤشرات، خاصة عندما ترتفع أسعار السلع والخدمات الأساسية بشكل يفوق دخول المواطنين، وهو ما يؤدي إلى تآكل القوة الشرائية وارتفاع معدلات الفقر، كما إن زيادة الديون الخارجية بشكل متواصل، مع انخفاض الاحتياطي النقدي وصعوبة توفير العملة الأجنبية، كلها علامات تستوجب الانتباه، خاصة إذا أصبحت فوائد الديون تستهلك نسبة كبيرة من موازنة الدولة.

كيف تتأثر حياة الناس بعد الإفلاس من حيث الأسعار والرواتب والمدخرات وفرص العمل؟
المواطن يكون الطرف الأكثر تضررًا عند تعرض أي دولة لـ أزمة إفلاس أو تعثر مالي، حيث ترتفع الأسعار بصورة حادة نتيجة انهيار العملة وزيادة تكلفة الاستيراد. التضخم يؤدي إلى تآكل قيمة الرواتب والمدخرات، وقد يجد المواطن نفسه غير قادر على تلبية احتياجاته الأساسية رغم ثبات دخله، بينما تتراجع فرص العمل والاستثمار بسبب حالة الركود وعدم اليقين الاقتصادي. بعض الدول التي مرت بأزمات حادة اضطرت لفرض قيود على السحب من البنوك أو التحويلات المالية، وهو ما خلق حالة من الذعر والغضب الشعبي وفقدان الثقة في النظام المصرفي والاقتصادي بالكامل.

ما العلاقة بين أزمة الدولة المالية واستقرار الجهاز المصرفي؟ وهل يمكن أن تتعرض أموال المودعين للخطر؟
الجهاز المصرفي يرتبط بصورة مباشرة بالاقتصاد والدولة، لأن البنوك تستثمر جزءًا كبيرًا من أموالها في أدوات الدين الحكومية، وبالتالي فإن أي أزمة مالية عنيفة تنعكس على القطاع المصرفي. الخطر يزداد عندما يفقد المواطنون الثقة ويتجهون لسحب أموالهم بشكل جماعي، وهو ما يضغط على السيولة داخل البنوك ويخلق حالة من القلق في الأسواق. البنوك المركزية تتدخل عادة لحماية الجهاز المصرفي ومنع الانهيار الكامل، لكن في بعض الحالات الاستثنائية قد يتم فرض قيود مؤقتة على السحب أو التحويلات للحفاظ على الاستقرار المالي.

ما الأدوات التي تستخدمها الدول للإنقاذ مثل التعويم ورفع الدعم وزيادة الضرائب وطلب القروض؟
الحكومات تلجأ عادة إلى حزمة إجراءات اقتصادية صعبة عند مواجهة أزمات مالية حادة، بهدف تقليل العجز وتوفير سيولة دولارية تمكنها من الوفاء بالتزاماتها.
وأوضح أن من أبرز هذه الإجراءات خفض قيمة العملة المحلية أو التعويم، إلى جانب تقليص الدعم وزيادة بعض الضرائب والرسوم لتحسين الإيرادات العامة للدولة. العديد من الدول تضطر كذلك للحصول على تمويلات وقروض من المؤسسات الدولية مثل صندوق النقد الدولي، مقابل تنفيذ برامج إصلاح اقتصادي تهدف لإعادة التوازن المالي وتقليل الضغوط على الاقتصاد.

هل يمثل صندوق النقد طوق نجاة حقيقي أم أن شروطه القاسية قد تزيد الأعباء على المواطنين؟
صندوق النقد الدولي يمثل في كثير من الأحيان مصدر دعم مهم للدول التي تواجه نقصًا حادًا في السيولة أو أزمة في سداد الالتزامات الخارجية. المشكلة تكمن في أن برامج الصندوق غالبًا ما تتضمن شروطًا إصلاحية صعبة مثل خفض الدعم وتحرير سعر الصرف وتقليل الإنفاق الحكومي، وهي خطوات تؤثر بشكل مباشر على مستوى معيشة المواطنين. نجاح برامج صندوق النقد يعتمد على قدرة الدولة على استغلال القروض في زيادة الإنتاج والصادرات وتحفيز الاقتصاد، وليس فقط استخدام الأموال لسد فجوات مؤقتة دون إصلاحات هيكلية حقيقية.

كيف سقطت دول مثل الأرجنتين وسريلانكا ولبنان؟ وما الدروس المستفادة؟
الأرجنتين تعد من أبرز النماذج العالمية في التعثر المالي بسبب تراكم الديون وارتفاع التضخم وضعف العملة المحلية، وهو ما تسبب في فقدان الثقة بالاقتصاد لسنوات طويلة. سريلانكا واجهت أزمة خانقة بعد تراجع الاحتياطي النقدي وعدم القدرة على توفير الدولار لاستيراد الوقود والغذاء، ما أدى إلى اضطرابات واسعة وانهيار اقتصادي كبير.
أما لبنان، فيمثل مثالًا خطيرًا على تأثير الأزمات المصرفية وانهيار العملة، بعدما فقد المواطنون جزءًا كبيرًا من مدخراتهم، مؤكدًا أن القاسم المشترك بين هذه التجارب هو الاعتماد المفرط على الديون وضعف الإنتاج الحقيقي.

هل يمكن للاقتصاد أن يعود أقوى بعد الأزمة؟ وما شروط نجاح التعافي؟
التعافي الاقتصادي بعد الأزمات يختلف من دولة لأخرى، وفقًا لحجم الأزمة ومدى قدرة الحكومة على تنفيذ إصلاحات حقيقية واستعادة ثقة المستثمرين والأسواق. بعض الدول تمكنت من العودة بشكل أقوى بعد الأزمات، لكنها نجحت في ذلك من خلال دعم القطاعات الإنتاجية وزيادة الصادرات وتحسين بيئة الاستثمار وتقليل الاعتماد على الاستيراد. التعافي يحتاج كذلك إلى استقرار سياسي وإدارة اقتصادية كفؤة، لأن غياب الثقة والاستقرار يعرقل أي محاولات للنهوض الاقتصادي مهما كانت قوة الخطط الموضوعة.

في ظل ارتفاع الدين الخارجي وأزمات الدولار والتضخم.. أين يقف الاقتصاد المصري حاليًا؟
الاقتصاد المصري يواجه تحديات وضغوطًا اقتصادية واضحة خلال السنوات الأخيرة، أبرزها ارتفاع الدين الخارجي وزيادة معدلات التضخم والضغط على العملة الأجنبية. هذه التحديات أثارت مخاوف لدى المواطنين، لكن في المقابل تمتلك مصر مصادر قوة مهمة مثل قناة السويس والسياحة وتحويلات المصريين بالخارج وقطاع الطاقة، إلى جانب استمرار تنفيذ مشروعات استثمارية وبنية تحتية كبيرة. الحديث عن “إفلاس وشيك” لمصر يحتاج إلى قدر كبير من الدقة، الدولة المصرية لا تزال قادرة وبقوة على الوفاء بالتزاماتها، لكن الأمر يتطلب استمرار الإصلاحات الاقتصادية وزيادة الإنتاج والصادرات وتقليل الاعتماد على الاقتراض الخارجي لضمان استقرار الاقتصاد على المدى الطويل.
نقلا عن العدد الورقي