فيتو
رئيس التحرير
عصام كامل

الأطباء المزورون.. كيف وصل الدخلاء إلى مهنة الطب؟.. وكيل النقابة: العلاج الحر مسئول عن كشف العيادات الوهمية.. وخيري عبد الدايم: تعليق الشهادات داخل العيادات يمنح المرضى الثقة والطمأنينة

وزير الصحة والسكان
وزير الصحة والسكان

ظهرت خلال الفترة الأخيرة حوادث متكررة عن محاولات تزوير داخل مهنة الطب، وانتحال أشخاص صفة أطباء وممارسة العمل الطبي دون مؤهلات أو تراخيص قانونية، الأمر لا يقتصر فقط على ظهور أشخاص على مواقع التواصل الاجتماعي وإعطاء نصائح للمرضى والمشاهدين والحديث في الوصفات الطبية وعلاج الأمراض، بل وصل إلى ممارسة فعلية وفتح عيادات واستقبال مرضى وكشف عليهم وفحص جسمهم وكتابة روشتات للمرضى وتحصيل مكاسب مالية ضخمة من أسعار الكشف المبالغ فيه نتيجة الاعتماد على غياب وعي المرضى المترددين على هؤلاء المزورين.

هذه الحوادث تفتح باب النقاش حول آليات الرقابة على المنشآت الطبية وكيفية كشف الدخلاء على المهنة، فمن خريج كلية علوم عمل بدلًا من شقيقه الطبيب التوأم لمدة عامين داخل وحدة طب الأسرة بمحافظة البحيرة، وواجه اتهامات بانتحال صفة طبيب وممارسة المهنة دون ترخيص، إلى متهم آخر قدم نفسه لسنوات باعتباره جراح قلب وأستاذ بكلية الطب قبل أن تتمكن الأجهزة الأمنية من ضبطه تنفيذًا لحكم قضائي بالسجن المشدد 10 سنوات في قضية تزوير.

ومع تكرار هذه الحوادث على فترات متقاربة يمكن أن يتحول الأمر إلى ظاهرة الأطباء المزورين الذين يستغلون ثقة المرضى في المظهر الخارجي واللافتات الطبية والألقاب العلمية، مما يضع حياة المواطنين أمام مخاطر جسيمة تحتم ضرورة تنبيه المجتمع وتحذيره منها، والتساؤل عن آليات التفتيش على العيادات والمنشآت الصحية الخاصة، ومدى كفاية الإجراءات الحالية لاكتشاف المخالفات.

وتكشف فيتو في هذا التقرير كيف يتمكن بعض منتحلي الصفة من التسلل إلى مهنة الطب، والثغرات التي يستغلونها.
 

الأزمة في العيادات الخاصة

من جانبه، أكد الدكتور جمال عميرة، وكيل نقابة الأطباء، أستاذ جراحة الأورام، أن احتمالية وجود طبيب مزور ضمن الكوادر الجامعية تكاد تكون مستحيلة، نظرًا لأن الجامعات تتخذ إجراءات دقيقة للتحقق من المؤهلات العلمية والخبرات المهنية، مشيرًا إلى أن حالات انتحال صفة الطبيب التي يتم اكتشافها بين الحين والآخر تكون غالبًا في نطاق العيادات الخاصة التي لا تخضع للمتابعة الكافية.

وأوضح عميرة في حديثه لـ"فيتو" أن بعض الأشخاص يتمكنون من استئجار عيادة أو شقة وتحويلها إلى مقر لاستقبال المرضى، مع وضع لافتة تحمل ألقابًا علمية مثل "أستاذ" أو "استشاري"، رغم عدم امتلاكهم المؤهلات الطبية، مؤكدًا أن هذا النوع من التزوير يتعلق بانتحال الصفة، ولكن لا يستطيعون إجراء العمليات المعقدة.

وأضاف أن الشخص المنتحل يتمكن من التعامل مع بعض الحالات البسيطة في تخصصات مثل الباطنة أو الأطفال أو الأمراض الجلدية، أو كتابة أدوية وعلاجات أولية لأمراض شائعة مثل الأنيميا أو السكري، إلا أن ممارسة الجراحات الدقيقة أمر مختلف تمامًا، حيث تتطلب هذه الإجراءات تدريبًا طويلًا وخبرة عملية لا يمكن تزويرها.
وأشار إلى أن المستشفيات، خاصة الكبرى منها، تراجع أوراق الأطباء ومؤهلاتهم قبل التعاقد معهم، متسائلًا: "كيف لشخص لم يتلقَّ تدريبًا جراحيًا حقيقيًا أن يجري عمليات معقدة أو يتعامل مع حالات تحتاج إلى مهارات متخصصة؟"، مؤكدًا أن الممارسة العملية تكشف سريعًا مدى كفاءة الشخص وما إذا كان طبيبًا مؤهلًا أم منتحلًا للصفة.

وشدد وكيل نقابة الأطباء على أن مسؤولية التفتيش على العيادات والمنشآت الطبية الخاصة تقع على عاتق إدارة العلاج الحر بوزارة الصحة، باعتبارها الجهة المختصة بمتابعة التراخيص والتأكد من قانونية ممارسة النشاط الطبي، داعيًا إلى تكثيف حملات التفتيش على جميع العيادات، خاصة في المناطق الشعبية والمزدحمة ذات الكثافة السكانية المرتفعة.

وأوضح أن نقابة الأطباء ليست جهة ضبطية قضائية ولا تمتلك صلاحيات التفتيش أو إغلاق المنشآت المخالفة، وإنما يقتصر دورها على التحقيق في الشكاوى المتعلقة بالأطباء المسجلين لديها، أما إذا كان الشخص غير مقيد بالنقابة أو منتحلًا للصفة، فإن الأمر يتم إحالته إلى جهات التحقيق والنيابة العامة.

وأضاف أن أي مواطن يشك في مؤهلات شخص يدعي ممارسة الطب أو لديه شكوك حول قانونية عيادة معينة يمكنه التقدم بشكوى إلى النقابة للتحقق من الأمر، مؤكدًا أن العيادات القانونية والأطباء المقيدين رسميًا يمكن الاستعلام عنهم والتأكد من بياناتهم بسهولة.

أشار إلى أن انتحال الصفة ظاهرة لا تقتصر على مهنة الطب وحدها، بل توجد في مجالات ومهن متعددة، موضحًا أن التعامل الحاسم معها يتطلب رقابة مستمرة وتعاونًا من المواطنين للإبلاغ عن أي مخالفات أو ممارسات مشبوهة.

أمر مستحيل

بدوره أكد  الدكتور خيري عبد الدايم، نقيب الأطباء الأسبق وأستاذ القلب بجامعة عين شمس، أن انتحال صفة طبيب أو جراح يحدث في بعض الحالات كما هو الحال في العديد من المهن، إلا أن انتحال صفة جراح يعمل داخل مستشفى ويجري عمليات جراحية كبرى، مثل جراحات القلب أو فتح الصدر، أمر مستحيل.

وأوضح لـ"فيتو" أهمية تعليق الشهادات العلمية وترخيص مزاولة المهنة داخل العيادات الطبية بشكل واضح، بما يتيح للمرضى التأكد من المؤهلات العلمية للطبيب ومن قانونية مزاولة النشاط الطبي داخل المنشأة ويمنح المرضى قدرًا من الطمأنينة والثقة.
وأضاف أنه ليس من المنطقي أن يضطر المريض إلى سؤال كل طبيب يراجعه عن شهاداته ومؤهلاته العلمية، مؤكدًا أن الرقابة الفعالة والتفتيش المستمر خط الدفاع الأول لمواجهة هذه الظاهرة.
وأشار إلى أنه يمكن أن يتمكن شخص من فتح عيادة داخل شقة سكنية في منطقة شعبية ويدعي أنه طبيب ويصف الأدوية للمرضى الذين يثقون فيه.
وشدد على أن المسؤولية الأساسية في اكتشاف المخالفات وضبط المنتحلين مسؤولية العلاج الحر بوزارة الصحة، والتي يجب أن تتأكد بصورة دورية من حصول الأطباء العاملين بالعيادات والمنشآت الطبية على المؤهلات المطلوبة، والاحتفاظ بنسخ من الشهادات والتراخيص داخل الملفات الخاصة بالمنشآت.

وأشار إلى أن شروط ترخيص أي منشأة طبية تتضمن التعاقد مع أطباء مؤهلين ومستوفين لجميع الاشتراطات القانونية، لافتًا إلى أن وزارة الصحة هي الجهة المنوط بها أعمال التفتيش والغلق واتخاذ الإجراءات القانونية ضد المخالفين.
وطالب بضرورة تكثيف حملات التفتيش والرقابة في القرى والأرياف والمناطق الشعبية، كما طالب بضرورة ضبط ظهور الأطباء في وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي حتى لا ينخدع بهم المرضى وتكوين قاعدة شعبية لهم من المتابعين تسهل عليهم خداع المرضى.

 

نقلا عن العدد الورقي