من غرف الدردشة إلى ساحات المحاكم.. هكذا تتحول محادثاتك السرية على واتس آب وماسنجر إلى دليل يقودك للسجن
في ظل التقدم التكنولوجي تحولت منصات التواصل الاجتماعي إلى جزء لا يتجزأ من التعاملات اليومية، أصبحت الرسائل والمراسلات الرقمية دليل رئيسي في كثير من القضايا والنزاعات المتداولة في ساحات القضاء، ويعتمد عليها الكثير من المتقاضين فى إثبات وقائع محددة مثل السب والقذف، والابتزاز بكافة أنواعه، والخيانة الزوجية والتحرش، وغيرها من الوقائع الأخرى..
بما يثير التساؤل حول مدى الاعتراف برسائل تطبيقات "الواتس آب" و"الماسنجر" أمام المحاكم، وما طبيعة القضايا التي يعترف فيها بتلك المراسلات كقرينة ومتي تعتمد كدليل، وهل يمكن أن تتحول تلك الرسائل من مجرد دردشة عادية، أو محادثة سرية إلى دليل إدانة يقود صاحبها إلى السجن؟
فى هذا الإطار كشف الدكتور عبد الله محمد المحامي، تفاصيل وكيفية تعامل المحاكم بمختلف أنواعها مع رسائل تطبيق "واتس آب" وتطبيق "ماسنجر"، مستعرضا الحالات التي تعبر فيها هذه الرسائل دليلا ماديا أو مجرد قرينة قانونية يخضع تقديرها لسلطة القاضي، وذلك وفقا لطبيعة كل قضية على حدة وبناء على الفحص الفني.
القضايا الجنائية
وأوضح الخبير القانوني أنه في نطاق القانون الجنائي، تصنف رسائل الواتس آب والماسنجر في الأصل كـ "قرينة"، وللقاضي الجنائي الحق الكامل في الأخذ بها أو طرحها جانبا، ولن يتم الاعتماد عليها كدليل ثابت، حيث تعتمد الأحكام الجنائية بالمقام الأول على عقيدة وقناعة القاضي الوجدانية،
قضايا السب والقذف والتشهير
تختلف قضايا السب والقذف والتشهير عبر وسائل التواصل الاجتماعي (مثل فيسبوك وواتس آب) عن القضايا الجنائية الأخرى، إذ يمكن للرسائل أو المنشورات أن تشكل "دليلا ماديا" قائما على أرض الواقع فور تأكيدها فنيا.
فإذا قامت مباحث الإنترنت بفحص المنشور أو الرسائل وأثبتت بشكل قاطع أن المتهم هو صاحب الحساب، وهو من قام بتوجيه عبارات السب والقذف، يصبح لدينا دليل إلكتروني مادي يعتد به في المحكمة، مع بقاء الشريطة الأساسية وهي أن الأمر يعود في النهاية لقناعة القاضي ومدى استساغته للدليل.
قضايا التحرش
تخضع قضايا التحرش عبر وسائل التواصل الاجتماعي لنفس القواعد القانونية المطبقة على قضايا السب والقذف، فإذا كانت الرسائل أو المحادثات مرتبطة بدليل مستخرج ومثبت معرفة مباحث الإنترنت، أو كانت مدعومة بأدلة صوتية معتمدة ومفحوصة (مثل تقارير الإذاعة والتلفزيون)، يتم الاعتماد عليها كـ "دليل إثبات" رسمي في القضية، طالما أثبتت الجهات الفنية صحة انتسابها للمتهم.
قضايا الأسرة
في النزاعات الأسرية بين الزوجين، يمكن للزوجة أو الزوج الاستناد إلى رسائل الواتس آب أو الماسنجر لإثبات واقعة معينة، مثل إرسال الزوج رسالة يفيد فيها بأنه قام بتطليقها.
وفي هذه الحالة، يمكن للمحكمة أن تعتد بهذه الرسائل كقرينة أو كدليل، ولكن المرجعية القانونية الأولى والأخيرة تظل خاضعة لـ "سلطة القاضي التقديرية".
فالقاضي يملك السلطان الكامل في تقييم الرسائل، فإذا وجدها سائغة ومقنعة للأخذ بها في حكمه اعتمدها، وإذا رأى غير ذلك فله الحق في التغاضي عنها.
المعاملات المالية والاقتصادية
وفق ما أكده عبدالله المحامي يفرق القانون في المعاملات المالية بين نوعين:
معاملات الشركات (التجارية): يتم الاعتماد فيها بشكل رسمي على البريد الإلكتروني (E-mail)، وهو أمر معترف به داخل قانون التجارة وضمن اختصاصات المحكمة الاقتصادية، ويعد البريد الإلكتروني دليلا وقرينة للإعلان لإبرام الصفقات، أو قبولها، أو إنهاء وفسخ العقود.
أما معاملات الأفراد عبر الواتس آب: إذا كان الأمر يتعلق بمديونية بين أفراد (كإيجار محل أو استدانة مبلغ مالي)، فلا يجوز قانونا الاستناد إلى رسالة الواتس آب بمفردها لمعاقبة الشخص أو إلزامه بالدفع، إذ يشترط القانون وجود عناصر وأدلة أخرى تعزز هذه الرسالة وتدعمها، مثل وجود عقود مبرمة، أو معاملات مادية متبادلة على أرض الواقع تؤكد صحة المعاملة المالية.
خطوات توثيق الرسائل إلكترونيا لتقديمها للمحكمة
وكشف المحامي عبدالله محمد الظروف والملابسات لكي يتم الاعتراف بالرسائل إلكترونيا، وتاخذ مسارها القانوني الصحيح كدليل، يجب اتباع الخطوات التالية:
التوجه إلى مباحث الإنترنت: يذهب المجني عليه إلى مقر مباحث الإنترنت التابع لها منطقته السكنية (مثل مديرية أمن الجيزة، أو أكاديمية الشرطة بالقاهرة).
فحص الهاتف: يقدم الشاكي هاتفه المحمول الذي يحتوي على المحادثة، حيث يقوم المختصون بفتح حساب "الواتس آب" أو "الماسنجر" وتوصيله بالأجهزة الفنية الخاصة بمباحث الإنترنت.
أخذ لقطات الشاشة والتحليل: يتم أخذ لقطات شاشة (Screenshots) للمحادثات وإرسالها إلى المكتب الفني لإعداد تقرير فني فحصي.
إعداد التقرير الفني: يتولى المكتب الفني فحص الحساب المرسل للتأكد من هويته، وتحديد ما إذا كان الرقم أو الحساب يخص المشكو في حقه (المتهم) بشكل قاطع أم يخص شخصا آخر.
الإحالة للنيابة: بعد ثبوت الواقعة وصدور التقرير الفني، ترسل الأوراق مباشرة إلى نيابة الشؤون المالية والتجارية أو النيابة العامة المختصة التابع لها قسم الشرطة، لاستكمال الدورة المستندية وتحريك الدعوى القضائية.