الدكتور كمال مغيث لـ"فيتو": نعيش حالة من العبث التعليمي.. استنساخ التجارب الأجنبية هروب من الأزمة الحقيقية.. نحتاج إلى إعادة بناء المدرسة.. والتطوير الحقيقي يبدأ بزيادة الإنفاق
أجرت فيتو حوارا مع الأكاديمي البارز الدكتور كمال مغيث أستاذ أصول التربية والتعليم والباحث بالمركز القومي للبحوث التربوية، وطرحت عليه عددًا من الأسئلة ذات الصلة بتطوير التعليم في مصر، ورأيه في إعلان وزارة التربية والتعليم والتعليم الفني إدخال مناهج يابانية في العام المقبلة، وتساؤلات أخرى، ورؤيته لفكرة استنساخ التجارب الأجنبية، والتحديات القانونية والاقتصادية المرتبطة بها، وتأثير تعدد الأنظمة التعليمية على الهوية الوطنية، كما طرح تصورا لمشروع قومي للتعليم لا يتغير بتغير الوزراء.
وإلى نص الحوار:
بعد إعلان وزير التعليم تطبيقها العام القادم،، ما رأيك في إدخال “التجربة اليابانية” في التعليم المصري؟
الحديث عن “التجربة اليابانية” يطرحه وزراء التعليم منذ سنوات، لكن المشكلة الأساسية أننا حتى الآن لا نعرف على وجه التحديد ما المقصود بهذه التجربة، وما العناصر التي يراد نقلها إلى منظومة التعليمي المصري، فمنذ نحو 7 سنوات أعلن وزير التربية والتعليم الأسبق طارق شوقي عن إنشاء 30 مدرسة يابانية، وكان هناك تركيز كبير على مصطلح “التوكاتسو”، باعتباره أحد مكونات التجربة اليابانية.
لكن عند البحث في معنى “التوكاتسو” نجد أنه لا يتجاوز فكرة إشراك أولياء الأمور في الأنشطة المدرسية والحياة التعليمية، وهو أمر موجود في كثير من النظم التعليمية، وليس اختراعا استثنائيا كما صوره الوزير آنذاك، فهي مجرد أنشطة عادية، كما أن المدارس التي أُطلق عليها “يابانية” في الحقيقة لم تطبق النظام الياباني بشكل كامل، بل مدارس خاصة أنشئت بمنحة يابانية، ولا أظن أنها حتى قامت بتدريس اللغة اليابانية بصورة حقيقية، وهنا يبرز السؤال المهم: ما الفرق الجوهري بين هذه المدارس وبين غيرها من المدارس الخاصة أو الدولية؟
كيف تنظم اللوائح التعليمية والقوانين فكرة تطبيق تجارب أجنبية في المنظومة التعليمية؟
لا يمكن قانونيا تطبيق تجربة تعليمية أجنبية كاملة في المدارس الحكومية، كما أن اللوائح المنظمة للتعليم الخاص في مصر تنص بوضوح على أن المدارس الخاصة تلتزم بالمناهج واللوائح المطبقة في المدارس الحكومية، مع إمكانية إضافة بعض المواد أو الأنشطة بعد موافقة وزارة التربية والتعليم، مثل إضافة لغة أو تدريبات حمام سباحة أو رياضة معينة، الاستثناء الوحيد المسموح له بتطبيق تجربة كاملة هي المدارس الدولية، مثل البكالوريا الدولية أو الشهادات الأجنبية المختلفة.
وبالتالي، إذا كانت هناك رغبة حقيقية في إنشاء نموذج ياباني، فأنا أطالب بأن تكون في إطار مدرسة دولية واضحة المعايير، تدرس بالنظام الياباني مثلما توجد الجامعة الفرنسية أو الجامعة الصينية، ولكن ليس لدينا ما يسمح بتطبيق تجربة أجنبية في المدارس الحكومية، وخاصة أننا أمام تحد كبير ما الأجزاء التي سيتم استنساخها من تلك التجربة الأجنبية وهل سننجح في ربطها بالمناهج المصرية، في ظل الأزمات التي يواجهها التعليم المصري.
أعلن وزير التعليم تطبيق التجربة اليابانية في العلوم والرياضيات على مناهج المرحلة الابتدائية، كيف ترى ذلك؟
الحقيقة الأمر غير مفهوم؛ فمقرر الرياضيات نسق متكامل، فكيف سيتم تكييفه في المرحلة الابتدائية بشكل منفصل عن المرحلة السابقة لها والمرحلة اللاحقة لها؟ بالتأكيد اليابان من الدول العشر الأوائل في تقرير التنمية البشرية، ومتقدمة في الرياضيات والاقتصاد وفي كل شيء، لكن السؤال هنا: لماذا التجربة اليابانية تحديدا؟ وما الذي يجعله يختار التجربة اليابانية دونا عن التجربة الفرنسية، أو الفنلندية، أو الإنجليزية؟ نحن في الحقيقة نعيش في حالة من العبث الشديد، لأننا نطبق قرارات دون دراسة سياساتها وأهدافها، وإعلان الوزير تطبيق التجربة قبل الدراسة بشهور قليلة يؤكد أن الاستنساخ سيتم بدون وجود دراسة وافية عنه.
هل ستحتاج مصر لدفع حقوق ملكية فكرية لليابان لو استعانت بالمنهج الخاص بها؟
نعم، إلا إذا تم إبرام اتفاقية بين الطرفين، فحقوق الملكية الفكرية بالطبع تعود للدولة، وسيتطلب الأمر اتفاقا بين الدولتين.
ما هي التحديات الأخرى التي ترى أنها تواجه هذا القرار، خاصة فيما يتعلق بالمعلمين والطلاب؟
عندما يتحدث الوزير عن تطبيق التجربة في بعض فصول المرحلة الابتدائية، فهو يتحدث هنا عن عشرات الآلاف من المعلمين، لأن تلك المرحلة تضمن ملايين الطلاب، فهل سيقوم بتدريب هذا العدد الهائل من المعلمين؟ أم سيقوم بإعطائهم المنهج فقط؟ أم أن المنهج تافه ولا يحتاج إلى تدريب من الأساس؟ في الحقيقة، الواحد لا يفهم كيف تتصرف هذه الوزارة.
وكيف ترى مسألة ترجمة هذه المناهج اليابانية؟ هل ستكون عائقا؟
- لا أظن أن الترجمة ستكون عائقا؛ فالرياضيات ليست صعبة الترجمة، لأنها تعتمد بالأساس على الأرقام والرموز، وليست مادة تاريخية أو لغوية. الترجمة هنا سهلة لأنها كلها رموز، والرموز تكاد تكون عالمية وموحدة.
وهل يمثل استنساخ التجارب الأجنبية عبئا اقتصاديا إضافيا؟
بالتأكيد، أي تجربة جديدة تحتاج إلى ترجمة، وتطوير للمناهج، وتدريب للمعلمين، وتغيير في البنية التحتية، وكل ذلك يتطلب ميزانيات ضخمة، لكن المشكلة الأساسية أن هذه المشروعات تطرح في وقت تعاني فيه المدارس من ضعف الإمكانيات وتهالك البنية الأساسية ونقص المعلمين، وبالتالي يصبح الحديث عن استنساخ التجارب مجرد محاولة للهروب من مواجهة الأزمة الحقيقية.
وكيف يمكن الاستفادة من التجارب التعليمية العالمية بشكل صحيح؟
هناك علم يُعرف بـ”التربية المقارنة”، يقوم على دراسة التجارب التعليمية الناجحة عالميا، ثم اختيار ما يناسب المجتمع المصري منها، مع تكييفه وفق احتياجاتنا وثقافتنا الوطنية، وربطه بالمناهج المصرية الحالية فليس المطلوب النقل الحرفي أو التقليد الأعمى، وإنما دراسة مدى ملاءمة أي تجربة للواقع المصري وإمكانية تطبيقها بصورة فعالة.
كما أن المفترض في أي تجربة تعليمية جديدة أن يتم تطبيقها بشكل محدود أولا، ثم تقييم نتائجها بصورة علمية قبل التوسع فيها، ولنا في تجربة التابلت مثل، كان من المفترض تطبيق التجربة علي عدد معين من المدارس، ثم تقييمها ومن ثم تعميمها، لكن ما حدث هو تعميم التجربة على نطاق واسع دون دراسة كافية، رغم إنفاق مليارات الجنيهات عليها، في حين لا توجد حتى الآن نتائج واضحة يمكن الاستناد إليها للحكم على نجاحها، فقد كانت تجربة التابلت محاولة للقفز على المشكلات الحقيقية للتعليم، في ظل وجود تصور بأن التكنولوجيا وحدها يمكن أن تحل الأزمة، وأن التابلت قد يغني عن الكتاب والمعلم، بينما الأزمة أعمق من ذلك بكثير.
هناك من يرى أن دولا أخرى مثل الصين وسنغافورة حققت نتائج أفضل من اليابان في بعض المجالات التعليمية، فلماذا التركيز على اليابان تحديدا؟
هذا سؤال مشروع للغاية، ولكن له إجابة، والوزارة لم تقدم أي إجابة واضحة عنه أو معايير معينة لمدى الاستفادة التي تريدها من التجارب الدولية، فمن حق المجتمع أن يعرف: ما الذي سيتم نقله تحديدا؟ هل هي المناهج؟ أم الإدارة؟ أم طرق التدريس؟ أم الأنشطة؟ ولماذا تم اختيار اليابان دون غيرها؟
للأسف، كثير من القرارات التعليمية المصيرية تطرح وكأنها قرارات نهائية غير قابلة للنقاش، دون وجود دراسات معلنة أو حوار مجتمعي حقيقي حولها.
كيف يؤثر تغيير المناهج واستنساخ التجارب على هوية الأجيال الجديدة؟
-الهوية الوطنية لا تتشكل فقط من خلال المناهج، وإنما من خلال التعليم والثقافة والإعلام والواقع المجتمعي أيضا، لكن التعليم يظل عنصرا أساسيا في بناء هذه الهوية، قديما كان هناك انتماء حقيقي بسبب الظروف الوطنية والسياسية للبلاد آنذاك، ووجود أنشطة وأحزاب وجمعيات أهلية تساعد علي تكوين الهوية، أما الآن في ظل وجود تعدد الأنظمة التعليمية بين الحكومي والخاص والدولي والأزهري، أصبح لدينا تباين كبير في تكوين الطلاب ثقافيا وفكريا، وهو أمر يهدد فكرة الهوية الوطنية المشتركة، وللأسف، التعليم الحالي يعتمد بدرجة كبيرة على الحفظ والتلقين، مع تراجع واضح للأنشطة التربوية والثقافية التي تسهم في تكوين شخصية الطالب وتعزيز انتمائه الوطني.
أي فترة زمنية تعتبر نموذجا ناجحا للتعليم المصري؟
أنجح حقبة زمنية في تاريخ التعليم كانت قبل ثورة يوليو وبعدها، فقد كانت مصر تطبق التجربة المصرية والتي ثبت نجاحها، خرجت أجيالا كاملة قادت الدولة في مختلف المجالات.
أنا أتذكر أن المصروفات الدراسية خلال المرحلة الابتدائية خلال تلك الحقبة لم تكن تتجاوز قروشا قليلة، أقل من ثمن كيلو لحمة آنذاك، ومع ذلك كان هناك تعليم حقيقي، ومعامل، وأنشطة، ومسرح، ورياضة، وتقييم فعلي للطلاب، وبالتالي القضية ليست في استيراد نموذج من الخارج، وإنما في إعادة بناء المدرسة المصرية على أسس قوية كما كانت في السابق.
ما السبب الرئيسي في تدهور التعليم حاليا من وجهة نظرك؟
- السبب الأساسي هو تراجع الإنفاق الحقيقي على التعليم. المادة 19 من الدستور تنص على تخصيص 4% من الناتج المحلي الإجمالي للتعليم، بمعدل 400 مليار جنيه لكن المنفق حاليا لا يتجاوز الـ2% بمعدل 200 مليار جنيه.
النتيجة الطبيعية لذلك هي مدارس فقيرة الإمكانيات، ومعلم يعاني ماديا، وعجز كبير في أعداد المعلمين يصل لـ 600 ألف معلم، وفي ظل هذه الظروف لا يمكن الحديث عن نجاح أي نظام تعليمي، سواء كان مصريا أو يابانيا أو غيره.
ولهذا أصبح التعليم الحقيقي يعتمد على الأسرة والدروس الخصوصية والسناتر، بينما تحولت المدرسة في كثير من الأحيان إلى مجرد وسيلة للحصول على حق دخول الامتحان.
وكيف يؤثر تعدد الأنظمة التعليمية بين الحكومي واللغات والدولي على الطلاب؟
هناك تفاوت كبير بين التعليم الحكومي، والتعليم الخاص بمصروفات، والتعليم الدولي، وهو ما انعكس بصورة واضحة على مستويات الطلاب، وكان من الممكن لهذا التنوع أن يمثل عنصر إثراء للعملية التعليمية إذا تم الحفاظ على مفهوم المواطنة كإطار جامع لكل هذه الأنظمة، كما يحدث في مختلف دول العالم.
ففي كل الدول، مهما اختلفت طبيعة التعليم أو لغته أو توجهاته، تبقى المواطنة والانتماء الوطني من أهم الثوابت الأساسية داخل العملية التعليمية، لكن للأسف، لم يعد التعليم في مصر يهتم بهذا الجانب بالشكل الكافي، فأصبح لدينا بعض المدارس الدولية التي لا تهتم بتدريس مفهوم المواطنة، وحتى بعض المدارس الرسمية أو الأزهرية لم تعد تمنح هذا الملف الاهتمام المطلوب.
وهل يمكن أن يكون لمصر مشروع قومي للتعليم لا يتغير بتغير الوزراء؟
بالتأكيد، وأرى ضرورة الاهتمام بتأسيس مجلس قومي للتعليم يكون قويا وفعالا، ويضم خبراء وعلماء متخصصين في التعليم، يتمتعون بالكفاءة والنزاهة والوعي الحقيقي بمشكلات التعليم وآليات تطويره.
هذا المجلس يجب أن تكون مهمته وضع أهداف التعليم وسياساته العامة، وتطوير المناهج، وتحديد الرؤية التعليمية طويلة المدى، بينما يقتصر دور الوزارة على تنفيذ هذه السياسات، وليس تغييرها مع كل وزير جديد.
كما أقترح العمل على زيادة ميزانية التعليم من خلال مصادر متعددة، وربط الحوافز ونظم الإدارة بتحقيق الأهداف التعليمية الحقيقية، ونحتاج أيضا إلى تفعيل البحث العلمي داخل العملية التعليمية، وإعادة الأنشطة إلى الفصول والمدارس، والاهتمام ببناء مهارات الطالب وخبراته وقدراته، مع تطوير منظومة الامتحانات بحيث تعتمد على الإبداع والتفكير والتحليل بدلا من الحفظ والتلقين.
أي مشروع قومي للتعليم يجب أن ينطلق أولا من تحديد شكل الدولة ومستقبلها الاقتصادي والصناعي والسياحي، فالأصل في أي خطة قومية أننا نسأل "احنا عايزين مصر تبقي شكلها ازاي اقتصاديا وسياحيا وغيرها من المجالات، ثم تحديد نوعية الكوادر البشرية المطلوبة لتحقيق هذه الأهداف، بعد ذلك يتم وضع المناهج وتحديد طرق التدريس والأنشطة وأنظمة التقييم بما يتناسب مع احتياجات المجتمع وخطط التنمية، وليس وفق قرارات فردية متغيرة من وزير إلى آخر، ولكن للأسف لا توجد خطط قومية حقيقية، ولا يوجد تنسيق بين التعليم وباقي الوزارات لتحديد مستقبل الدولة وكيفية إعداد الأجيال القادمة.
هل تمتلك مصر مفكرين وباحثين قادرين على وضع مشروع تعليمي مصري خالص؟
بالتأكيد.. مصر تضم عددا كبيرا من الباحثين والخبراء القادرين على وضع مشروع تعليمي وطني متكامل يواكب العصر واحتياجات المجتمع، نحن اليوم لا نحتاج فقط إلى نقل المعلومات، لأن الطالب أصبح قادرا على الوصول إليها بسهولة بضغطة زر عبر التكنولوجيا، وإنما نحتاج إلى تعليم ينمي التفكير والاستقلالية والقدرة على التحليل وبناء الشخصية والهوية، لكن تنفيذ ذلك يتطلب مدرسة مجهزة، ومعلم كفء يحصل على راتب عادل يسمح بمحاسبته على أدائه ومنعه من اللجوء إلى الدروس الخصوصية.
وماذا عن تدريب المعلمين؟ هل يتم بالشكل المطلوب؟
للأسف، أغلب برامج التدريب الحالية شكلية، ويحضرها المعلمون غالبا فقط لاستيفاء المتطلبات الإدارية أو خوفا من المساءلة، دون وجود تطوير حقيقي في الأداء أو اكتساب مهارات جديدة.
كما أن ضعف الإمكانيات وقلة الاهتمام بالتعليم الحكومي ينعكسان بصورة مباشرة على مستوى التدريب والتأهيل.
من وجهة نظرك.. ما هي الأولويات لتطوير التعليم خلال المرحلة المقبلة؟
الأولوية الأولى يجب أن تكون لزيادة ميزانية التعليم وفقا للنسب التي نص عليها الدستور، لأن أي تطوير حقيقي يبدأ من توفير التمويل اللازم لبناء المدارس وتجهيزها وتعيين المعلمين وتحسين أوضاعهم المادية، ولا يقل مرتب المدرسين عن 10 آلاف جنيه، كما نحتاج إلى استعادة الأنشطة المدرسية.
ما أفضل تجربة تعليمية في العالم حاليا من وجهة نظرك؟
التجربة الفنلندية تعد من أفضل التجارب التعليمية عالميا، إلى جانب بعض دول غرب أوروبا، فهم في مقدمة تقارير التنمية البشرية المتعلقة بالتعليم.
وأين تقف مصر في التصنيفات التعليمية العالمية؟
للأسف، مصر لم تعد ضمن المراتب المتقدمة في التصنيفات التعليمية العالمية.