فيتو
رئيس التحرير
عصام كامل

القطب الشمالي.. جبهة صراع متصاعدة بين روسيا والغرب في حرب الممرات العالمية.. موسكو تتهم الدول الغربية بعسكرة أكثر مناطق العالم هدوءا.. والتنافس الأمريكي الصيني يزيد التوتر

قوات بريطانية تشارك
قوات بريطانية تشارك في مناورات الناتو بالقطب الشمالي

لم يعد القطب الشمالي مجرد مساحة جغرافية متجمدة بعيدة عن بؤر الصراع التقليدية، بل تحول تدريجيا إلى إحدى أهم ساحات التنافس الجيوسياسي بين القوى الكبرى، في ظل التحولات العميقة التي يشهدها النظام الدولي، وتصاعد الصدام بين روسيا والغرب من جهة، والتنافس الأمريكي الصيني من جهة أخرى. 

ومع تصاعد حرب الممرات والطاقة عقب الهجوم الأمريكي الإسرائيلي على إيران، باتت موسكو تنظر إلى التحركات الغربية في البلطيق والقطب الشمالي باعتبارها جزءا من استراتيجية تطويق واسعة تستهدف خنق النفوذ الروسي وإعادة رسم خرائط النفوذ البحري والتجاري عالميا.

من جهته، اتهم نائب وزير الخارجية الروسي ألكسندر جروشكو الغرب باستخدام منطقة البلطيق اليوم كمنطلق لتدريب آليات تهدف إلى تصعيد التطورات الجارية واحتواء روسيا.

وقال روشكو في مقابلة مع صحيفة “إزفستيا” الروسية: “كانت هذه المنطقة في الماضي الأكثر سلما من حيث الأنشطة العسكرية. ولم تكن هناك صراعات، لا مجمدة ولا مشتعلة. لم تكن هناك أي دوافع لتصعيد التوترات على الإطلاق”.

إعادة تشكيل الجغرافيا الأمنية في شمال أوروبا

وأضاف نائب وزير الخارجية الروسي: الغرب يستخدم منطقة البلطيق اليوم كمختبر لدراسة كيفية تصعيد الموقف وكيفية احتواء روسيا من مختلف الاتجاهات الإقليمية والجغرافية. وفي الوقت الراهن، يحاولون التقرب من القطب الشمالي في ظل تشكيل تحالفات مختلفة.

وتعكس تلك التصريحات بوضوح حجم القلق الروسي من انتقال الناتو من مرحلة الردع التقليدي إلى مرحلة إعادة تشكيل الجغرافيا الأمنية في شمال أوروبا. فحديثه عن استخدام منطقة البلطيق "كمختبر" لاحتواء روسيا يحمل دلالات تتجاوز الجانب العسكري المباشر، إذ يشير إلى محاولة غربية لبناء بيئة استراتيجية جديدة تربط بين البلطيق والقطب الشمالي ضمن حزام ضغط متصل يمتد من شرق أوروبا حتى الممرات القطبية.

القطب الشمالي كان يوصف بأنه أقل مناطق العالم توترا
القطب الشمالي كان يوصف بأنه أقل مناطق العالم توترا

وفي مارس 2026، أجرى حلف الناتو تدريبات في القطب الشمالي، مع التركيز هذه المرة على دور المدنيين في دعم القوات المسلحة، في ظل توتر حاد بسبب مساعي الرئيس الأمريكي دونالد ترمب لضم جرينلاند من الدنمارك، العضو في الحلف العسكري؛ وذلك ضمن مهمة “حارس القطب الشمالي”، وهي مهمة لحلف شمال الأطلسي لتعزيز وجوده في المنطقة القطبية أطلقت لتهدئة التوترات مع ترامب بشأن جرينلاند.

انهيار مفهوم القطب منخفض التوتر

التحول الأهم يتمثل في انهيار مفهوم “القطب منخفض التوتر”، وهو المفهوم الذي حكم العلاقات في المنطقة لعقود طويلة. فذوبان الجليد نتيجة التغير المناخي فتح الباب أمام سباق دولي للسيطرة على الممرات البحرية الجديدة والثروات الطبيعية الهائلة، خاصة الغاز والنفط والمعادن النادرة. 

يقول جروشكو: كانوا يقولون في السابق إن خطوط العرض العليا هي المناطق التي تشهد توترات منخفضة؛ لكن هذه الكلمات لم يعد لها مكان على أرض الواقع؛ حيث يسعى خصومنا الغربيون إلى تحويل القطب الشمالي إلى ساحة للمواجهة العسكرية.

جانب من مناورات عسكرية أجرتها قوات تابعة لحلف الناتو في القطب الشمالي
جانب من مناورات عسكرية أجرتها قوات تابعة لحلف الناتو في القطب الشمالي

في المقابل، ترى موسكو أن الطريق البحري الشمالي لم يعد مجرد مشروع اقتصادي، بل تحول إلى ركيزة استراتيجية للأمن القومي الروسي ولمستقبل التجارة العالمية. فمع تزايد الاضطرابات في الشرق الأوسط وتهديد خطوط الملاحة التقليدية، تزداد أهمية هذا الممر الذي يختصر زمن الشحن بين آسيا وأوروبا، ويمنح روسيا ورقة نفوذ جيوسياسية واقتصادية ضخمة. لذلك تسارع موسكو إلى تطوير أسطول كاسحات الجليد النووية وتعزيز بنيتها العسكرية واللوجستية في القطب الشمالي.

موسكو ستدافع عن مصالحها في القطب الشمالي

في تصريحات سابقة، قال الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إن روسيا ستدافع عن مصالحها الوطنية في القطب الشمالي، مشيرا إلى استعداد موسكو للتعاون مع جميع الدول المهتمة.

وشدد بوتين على أهمية طريق بحر الشمال، وهو ممر بحري عبر القطب الشمالي، والتي تزداد في ظل الاضطرابات العالمية، ومن بينها عدم الاستقرار في الشرق الأوسط.

وأضاف: "لقد أشرت مرارا وتكرارا إلى الأهمية الاستراتيجية الخاصة لهذه المنطقة بالنسبة لبلادنا، وللاقتصاد المحلي، ولبناء القدرات الصناعية الروسية، ولضمان الأمن القومي، وحماية سيادتنا".

مطامع أمريكية في جزيرة ج<span style=
مطامع أمريكية في جزيرة جرينلاند التي تتمتع بالحكم الذاتي في ظل سيادة الدنمارك

وطريق بحر الشمال هو ممر شحن بحري من المحيط الأطلسي إلى المحيط الهادئ يمر على طول ساحل القطب الشمالي الروسي من بحر بارنتس، بمحاذاة سيبيريا، إلى الشرق الأقصى. ويمكن الإبحار من خلاله خلال أشهر الصيف.

الصين تدخل حلبة التنافس في القطب الشمالي

دخول الصين بشكل غير مباشر على خط التنافس فيما يتعلق بالقطب الشمالي يزيد المشهد تعقيدا، إذ تنظر بكين إلى المنطقة باعتبارها جزءا من مشروع “طريق الحرير القطبي”، بينما تخشى واشنطن من تشكل محور روسي صيني قادر على فرض معادلات جديدة في التجارة والطاقة والممرات البحرية.

وطريق الحرير القطبي هو مبادرة صينية استراتيجية كشف عنها في 2018 كجزء من “مبادرة الحزام والطريق”، تستهدف تطوير ممرات شحن بحرية عبر المحيط المتجمد الشمالي؛ ويسعى المشروع إلى استغلال ذوبان الجليد لتقصير مسافات الشحن بين آسيا وأوروبا، وضمان الوصول إلى موارد الطاقة مثل النفط والغاز إضافة إلى المعادن النادرة.

وفي المحصلة، يبدو أن القطب الشمالي يتجه تدريجيا من منطقة تعاون دولي إلى ساحة تنافس استراتيجي مفتوح، قد تصبح في السنوات المقبلة إحدى أخطر نقاط الاحتكاك بين القوى الكبرى، خاصة مع تراجع فرص التفاهم بين موسكو والغرب واستمرار الحروب الجيوسياسية المرتبطة بالطاقة والممرات الدولية.