البورصة المصرية في مهب الريح وسط التقلبات العالمية.. خبراء: أزمة ثقة تدفع المستثمرين للهروب نحو الذهب والدولار والعقار.. والسوق يحتاج لزيادة الطروحات الحكومية وتحسين مستويات الإفصاح والشفافية
البورصة المصرية، فى الوقت الذى تواجه فيه الأسواق العالمية موجات متتالية من التقلبات الاقتصادية وارتفاع معدلات التضخم وأسعار الفائدة، تبدو البورصة المصرية واحدة من الأسواق التي تأثرت بحالة القلق المسيطرة على المستثمرين خلال الفترة الأخيرة.
فبعد سنوات كان فيها سوق المال يُعد أحد أهم أدوات الادخار والاستثمار وتحقيق العوائد السريعة، أصبح كثير من المستثمرين ينظرون إليها اليوم باعتبارها سوقًا عالية المخاطر، تفتقد إلى الاستقرار والرؤية الواضحة.
اقرأ التالى: سعر الجنيه الذهب في الصاغة اليوم الثلاثاء (آخر تحديث)

حالة من التردد والارتباك
وفي هذا السياق، أكد الدكتور نبيل فرج خبير أسواق المال لـ “ فيتو ”: أن حركة التداولات داخل البورصة المصرية تعكس حالة من التردد والارتباك، خاصة مع استمرار خروج شريحة من المستثمرين الأفراد نحو أدوات استثمارية بديلة أكثر أمانا وربحية من وجهة نظرهم، مثل الذهب والدولار والعقارات والشهادات البنكية مرتفعة العائد،ولم يعد السؤال المطروح داخل الأوساط الاقتصادية يدور فقط حول أسباب تراجع البورصة، بل أصبح السؤال الأهم: هل فقد المستثمر ثقته بالفعل فى سوق المال المصرية؟
ويرى فرج أن الأزمة الحالية ليست مرتبطة فقط بأداء الأسهم أو المؤشرات، وإنما تتعلق بعوامل أعمق ترتبط بالمناخ الاقتصادى ككل، بداية من التضخم الحاد وتذبذب سعر الصرف، مرورًا بارتفاع تكلفة التمويل وأسعار الفائدة، وصولًا إلى حالة الترقب التى تسيطر على المستثمرين بسبب الأوضاع الاقتصادية الإقليمية والدولية.
وتابع: كما أنه وفي ظل تلك المعطيات بات المستثمر المصري أكثر ميلا إلى الحفاظ على قيمة أمواله بدلًا من المغامرة بها داخل سوق تشهد صعودا وهبوطًا حادًا فى فترات زمنية قصيرة، ما أدى إلى تراجع السيولة فى بعض الجلسات وغياب الشهية الاستثمارية لدى قطاعات واسعة من المتعاملين.

هروب المستثمر.. حقيقة أم مبالغة؟
وأضاف فرج: رغم الحديث المتكرر عن “هروب المستثمرين” من البورصة المصرية، إلا أن الواقع يشير إلى أن الأمر لا يتعلق بخروج جماعى كامل بقدر ما هو إعادة توجيه للسيولة نحو أدوات يعتبرها المواطن أكثر استقرارًا فى الوقت الراهن.
وأوضح أن الذهب، على سبيل المثال، أصبح الملاذ الأكثر جذبًا للمصريين خلال العامين الأخيرين، مستفيدًا من ارتفاع أسعاره عالميا ومحليا، إضافة إلى اعتباره وسيلة للتحوط ضد التضخم وتراجع القوة الشرائية للجنيه. كما عاد الدولار ليحتل مكانة قوية كأداة ادخار، خاصة فى ظل مخاوف المواطنين من استمرار تقلبات سعر الصرف.
وتابع: أما القطاع العقاري، فما زال يحافظ على بريقه التقليدى باعتباره “الاستثمار الآمن” لدى قطاع كبير من المصريين، رغم ارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية، فيما جذبت الشهادات البنكية مرتفعة العائد شريحة أخرى من المستثمرين الباحثين عن أرباح مضمونة بعيدًا عن تقلبات السوق.
هل تراجعت الثقة فى البورصة؟
ومن جانبه، قال الدكتور محمد حسين نصر الدين، خبير أسواق المال: أن أزمة الثقة الحالية ترجع إلى عدة أسباب متراكمة، أبرزها ضعف الوعى الاستثمارى لدى شريحة واسعة من المتعاملين، إذ يدخل كثير من المستثمرين السوق بهدف المضاربة السريعة وتحقيق أرباح فورية، دون إدراك لطبيعة الاستثمار طويل الأجل.
وتابع فى تصريحات خاصة لــ “فيتو”: أن الخسائر التى تعرض لها بعض المستثمرين خلال فترات التذبذب الحاد ساهمت في زيادة حالة القلق، خاصة مع انتشار ثقافة “الخوف من الخسارة” بين صغار المستثمرين، الذين أصبحوا أكثر حساسية تجاه أى هبوط فى الأسعار.
وتابع: لعبت الظروف الاقتصادية العامة دورًا رئيسيًا فى تراجع الثقة، إذ تؤثر معدلات التضخم المرتفعة وأسعار الفائدة الكبيرة بشكل مباشر على جاذبية الأسهم، حيث يفضل المستثمر وضع أمواله فى أوعية ادخارية بعائد مضمون بدلًا من المخاطرة فى سوق متقلبة.

كيف ينظر المستثمر الآن إلى البورصة؟
وأضاف نصر الدين أن المستثمر أصبح ينظر إلى البورصة حاليًا باعتبارها سوقًا تحتاج إلى نفس طويل وقدرة كبيرة على تحمل المخاطر، وليس مجرد وسيلة سريعة لتحقيق الأرباح كما كان الحال فى فترات سابقة.
وتابع أنه بينما لا تزال هناك فرص استثمارية قوية داخل بعض القطاعات والشركات المقيدة، فإن حالة الحذر تظل هى المسيطرة على قرارات كثير من المتعاملين، خاصة فى ظل غياب الرؤية الواضحة بشأن مستقبل الاقتصاد وأسعار الفائدة وسعر الصرف.
ويرى أن استعادة الثقة فى البورصة المصرية لن تتحقق فقط من خلال صعود المؤشرات، وإنما تحتاج إلى إصلاحات أعمق تشمل زيادة الطروحات الحكومية، وتحسين مستويات الإفصاح والشفافية، وتعزيز الثقافة المالية، إضافة إلى خلق مناخ اقتصادى أكثر استقرارًا وقدرة على جذب الاستثمارات المحلية والأجنبية.
البورصة بين الفرصة والتحديات
وأشار نصر الدين إلى انه ورغم الصورة القاتمة التى يراها البعض، يؤكد أن البورصة المصرية لا تزال تمتلك فرصا واعدة على المدى الطويل، خاصة مع انخفاض تقييمات عدد كبير من الأسهم مقارنة بقيمها العادلة، وهو ما قد يمثل فرصة للمستثمر طويل الأجل.
وأوضح أن التحدي الأكبر يبقى فى قدرة السوق على استعادة ثقة المستثمرين، وإقناعهم بأن البورصة ليست مجرد ساحة للمضاربة، بل أداة حقيقية للاستثمار وتمويل الشركات ودعم الاقتصاد، مؤكدا أن أزمة الثقة الحالية اختبارا حقيقيا لقدرة سوق المال المصرية على تجاوز الضغوط الاقتصادية واستعادة دورها كواحدة من أهم قنوات الاستثمار.