كاترينا رايشه، امرأة برلين الحديدية.. تقود تحولا ثوريا في الصناعة والطاقة.. تدفع بلادها نحو استثمارات دفاعية ضخمة.. وتعزيز مكانة الجيش الألماني دوليا على رأس أولوياتها
كاترينا رايشه، بابتسامة هادئة وعينين زرقاوين وتعابير وجه جادة، تعمل وزيرة الاقتصاد والطاقة الألمانية كاترينا رايشه على إعادة تشكيل وإحياء القوة العسكرية والصناعية لألمانيا بهدوء وثبات، ما دفع البعض يرى فيها نسخة ألمانية من رئيسة الوزراء البريطانية الراحلة مارجريت تاتشر، واصفين إياها بـ"امرأة برلين الحديدية".
تنتمي رايشه إلى الحزب المسيحي الديمقراطي المحافظ، وجرى تعيينها وزيرة للشؤون الاقتصادية والطاقة في حكومة المستشار فريدريش ميرتس في مايو 2025؛ وتؤمن بأن ألمانيا تمتلك قاعدة صناعية عميقة وإمكانات هائلة، و"تجلس فوق كنز هائل من البيانات تحسدها عليه الولايات المتحدة".
وترى رايشه، والتي تتمتع بخلفية أكاديمة كيميائية، حيث درست الكيمياء وحصلت على دبلوم في هذا المجال قبل أن تتجه إلى العمل السياسي والتنفيذي، أن توظيف تقنيات الذكاء الاصطناعي يمثل رهانا استراتيجيا حاسما، ويمنح "فرصة للبقاء" بالنسبة للاقتصاد الألماني على الساحة العالمية.
لا تتصدر وزيرة الاقتصاد والطاقة الألمانية العناوين الكبرى، ونادرا ما تستخدم الخطاب الحماسي الذي بات يميز الخطاب السياسي الأوروبي المعاصر. وبدلا من ذلك، تركز رايشه في تصريحاتها على قضايا عملية مثل الطلب الصناعي، والتصنيع، وسلاسل الإمداد، والإنتاج الدفاعي، إضافة إلى استقرار شبكات الطاقة.
لكنها في المقابل، تظهر في صورة شخصية ذات طابع ثوري في لحظة تعاني فيها ألمانيا من ركود اقتصادي، وضغوط صناعية متزايدة، وتحديات في أمن الطاقة، مدعومة في ذلك بخبرة كبيرة في مجال الطاقة والصناعة وعالم الأعمال، بعيدا عن لغة التسويق السياسي والاستعراض عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
معايشة الانفصال والوحدة في ألمانيا
ولدت رايشه في ألمانيا الشرقية السابقة عام 1973؛ وهو نفس العام الذي شهد قبول كل من ألمانيا الشرقية وألمانيا الغربية كعضوين كاملين في الأمم المتحدة، مما مثل اعترافا دوليا واسع النطاق بالدولتين الألمانيتين ككيانين منفصلين وذوي سيادة، قبل إعادة توحيها في عام 1990.

تنتمي وزيرة الاقتصاد والطاقة الألمانية -إذا- إلى جيل تشكل وعيه بالواقع الاقتصادي والجيوسياسي أكثر من المثالية التي أعقبت الحرب الباردة.
وقبل انضمامها إلى الحكومة، أدارت شركة "فيست إنرجي"، وهي إحدى أكبر شركات تشغيل المرافق في ألمانيا، بعد أن شغلت منصب رئيسة اتحاد المرافق المحلية.
وكانت عضوة في البرلمان الألماني في الفترة من 1998 وحتى 2015؛ وشغلت منصب نائبة رئيس الكتلة البرلمانية للاتحاد الديمقراطي المسيحي/الاتحاد الاجتماعي المسيحي من عام 2005 إلى 2009؛ وتولت منصب السكرتيرة البرلمانية للدولة لدى وزير البيئة وحماية الطبيعة والسلامة النووية من عام 2009 وحتى 2013؛ ثم منصب السكرتيرة البرلمانية للدولة لدى وزير النقل والبنية التحتية الرقمية من 2013 وحتى 2015، وهو العام الذي شهد استقالتها من مقعدها في البرلمان الألماني.
انتقادات اليسار الألماني
وصاغت هذه التجربة شخصية سياسية تدرك أن الطاقة ليست مجرد قضية مناخية مجردة، بل هي بالنسبة لاقتصاد صناعي أساس التصنيع والتنافسية والنمو والقوة الوطنية؛ حيث أمضت رايشه سنوات في التعامل مع شركات تحتاج إلى طاقة موثوقة ليس لإرضاء الشعارات، بل لإبقاء المصانع تعمل.
وخلال ظهور حديث لها في مؤتمر "سيرا ويك"، والذي يعد التجمع السنوي الأكبر والأهم في العالم لصناعة الطاقة، تحدت رايشه علنا بعض مسلمات السياسات المناخية الأوروبية، محذرة من أن الاعتماد الكامل على طاقتي الرياح والشمس يعد "طرحا ساذجا".
التصريحات السابقة جعلت رايشه هدفا لانتقادات اليسار الألماني والنشطاء المتشددين في قضايا المناخ. لكنها عكست أيضا واقعا أوسع تكافح الطبقة السياسية الألمانية للاعتراف به، وهو أن الاقتصادات الصناعية تحتاج إلى طاقة موثوقة، وبنية تحتية صلبة، وسلاسل إمداد فعالة.
قرارات ألمانية مصيرية
على مدى سنوات، تعاملت برلين مع سياسة الطاقة باعتبارها طموحا أخلاقيا أكثر من كونها استراتيجية واقعية؛ واتخذت قرارات مثل إغلاق محطات الطاقة النووية، وتوسيع الاعتماد على الطاقة المتجددة، والتخلص التدريجي من الوقود الأحفوري.
وقد نجحت هذه النظرية طالما استمر تدفق الغاز الروسي الرخيص عبر بحر البلطيق؛ لكن الحرب الروسية الأوكرانية حطمت الافتراض القائل بإمكانية إخضاع الجغرافيا السياسية لمنطق الترابط الاقتصادي.
وفي تلك اللحظات الفارقة، تحتل رايشه مكانة بارزة في قلب عملية إعادة التفكير الألمانية في الصناعة والطاقة؛ حيث اتجهت برلين إلى تشييد محطات للغاز الطبيعي المسال، التسعى نحو إنشاء سلاسل إمداد جديدة للغاز والهيدروجين، والإسراع في استثمارات شبكات الكهرباء، بالتوازي مع مواصلة توسيع إنتاج الطاقة المتجددة، بهدف توفير طاقة موثوقة وبنية تحتية قادرة على الصمود.
وبالنسبة لرايشه، فإن القضية أكبر من الطاقة وحدها، فأمن الطاقة، والقدرة الصناعية، والإنتاج الدفاعي، والنمو الاقتصادي ليست ملفات منفصلة، بل عناصر مترابطة تحتاجها الدول القوية مجتمعة، وهي تدرك ذلك بشكل فطري.
التسلح جزء من نهضة صناعية أوسع
كانت رايشه من أوائل من فهموا في برلين أن إعادة التسلح يمكن أن تصبح أيضا جزءا من نهضة صناعية أوسع؛ ودفعت ألمانيا باتجاه ضخ مئات المليارات من الدولارات في الإنفاق الدفاعي بعد عقود من ضعف الاستثمار، ما يضع برلين على طريق التحول إلى واحدة من أكبر الدول إنفاقا على الجيش في العالم.

وتحت قيادتها، دعمت الحكومة شركات التكنولوجيا الدفاعية الناشئة، وشجعت المصانع المتعثرة وموردي قطاع السيارات على التحول نحو الإنتاج العسكري. بل إن وزارتها أطلقت منصة تربط بين المصنعين الألمان التقليديين وشركات الدفاع، بهدف دمج أجزاء من الاقتصاد الصناعي ضمن سلاسل الإمداد العسكرية.
وتعكس هذه الاستراتيجية قناعة رايشه بأن ألمانيا يجب أن تعيد بناء الإنتاج المحلي، وترسيخ التصنيع داخل سلاسل الإمداد التابعة للدول الحليفة، بما يقلل من التعرض للمخاطر الجيوسياسية والمنافسة الآسيوية منخفضة التكلفة.
الاهتمام بالنتائج أكثر من الرمزية
وفي قلب هذا المشهد، تدفع "مرأة برلين الحديدة" أكبر اقتصاد أوروبي إلى مواجهة حقيقة طالما حاولت الطبقة السياسية تجاهلها لسنوات، وهي أن القوة الصناعية وأمن الطاقة والنفوذ الوطني عناصر مترابطة لا يمكن فصلها عن بعضها البعض، وكأنها نسخة ألمانية من مارجريت تاتشر.

في عصر تهيمن عليه الاستعراضات السياسية، تبرز رايشه كشخصية غير تقليدية، تضع النتائج في مقدمة أولوياتها بدلا من الرمزية، وتركز على امتلاك ألمانيا لمقومات القوة الصناعية، والبنية التحتية، والإمكانات الاقتصادية التي تؤهلها للحفاظ على موقعها كقوة اقتصادية كبرى.
وفي قلب هذا المشهد، تدفع "مرأة برلين الحديدية" أكبر اقتصاد أوروبي إلى مواجهة حقيقة طالما تجنبتها الطبقة السياسية لسنوات، وهي أن القوة الصناعية، وأمن الطاقة، والنفوذ الوطني، عناصر مترابطة لا يمكن فصلها عن بعضها البعض، وكأنها نسخة ألمانية من مارجريت تاتشر.