فيتو
رئيس التحرير
عصام كامل

ليبيا بين شقي رحى.. دعوات أممية بحثًا عن تسوية شاملة بعد 15 عامًا من الصراع.. وتحذيرات من انزلاق متسارع نحو سيناريو الانفجار المفاجئ

النزاعات المسلحة
النزاعات المسلحة أحد أهم أسباب فشل العملية السياسية الليبية

في لحظة حاسمة من تاريخها السياسي، تقف ليبيا أمام خيارين متناقضين أحدهما التقدم نحو تسوية سياسية شاملة تؤدي إلى إجراء انتخابات عامة وتوحيد مؤسسات الدولة؛ أما الخيار الثاني، فيتمثل في البقاء عالقة عند نقطة جمود سياسي يدفعها نحو مزيد من التصعيد والتدهور على المستويات كافة. 

وفي هذا الإطار، تضع الأمم المتحدة جوهر الأزمة في استمرار الانقسام السياسي الداخلي، معتبرة أن أي تسوية مستدامة لا يمكن أن تتحقق إلا عبر مسار “ليبي- ليبي”، وتوافق ليبي جامع يحظى بدعم دولي، وإرادة سياسية حقيقية تنهي المرحلة الانتقالية، التي امتدت لأكثر من 15 عاما، وتحديدا منذ الإطاحة بنظام العقيد معمر القذافي في فبراير من عام 2011.

وبحسب تقرير نشرته الأمم المتحدة أمس الأربعاء، فإن هذا الانقسام بين مجلس النواب الليبي، الذي يتخذ من بنغازي مقرًا له، والمجلس الأعلى للدولة في طرابلس حيث تتمركز حكومة الوحدة الوطنية، لا يُعد مجرد خلاف سياسي عابر، بل حالة بنيوية عامة تعرقل بناء الدولة وتؤثر بشكل مباشر على فرص تحقيق الاستقرار.

واقع أكثر صلابة من الطموحات

يقول التقرير: تركز البعثة الأممية على تسهيل حوار شامل بين الأطراف الليبية عبر مسارات متعددة (سياسية، أمنية، اقتصادية)، بهدف بناء توافق حول خارطة طريق جديدة. وتشمل هذه الجهود دعم الانتخابات، وتوحيد المؤسسات، وتعزيز المصالحة الوطنية. كما تعمل البعثة على دعم دور المرأة والشباب في العملية السياسية، باعتبارهما عنصرين أساسيين لتحقيق الاستقرار المستدام.

ورغم تعدد المبادرات السياسية، بما فيها مسارات الحوار التي ترعاها بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، فإن التقدم نحو انتخابات رئاسية وبرلمانية لا يزال محدودا بفعل غياب توافق حول القوانين الانتخابية والإطار الدستوري، واستمرار التباين بين المؤسسات الرئيسية، وفق التقرير.

وضع أمني هش ومتقلب

أمنيا، يشير التقرير إلى أن الوضع في ليبيا ما زال “هشا ومتقلبا”، في ظل استمرار تعدد مراكز القوى وانتشار الجماعات المسلحة، ما يخلق حالة توازن غير مستقرة قابلة للاهتزاز في أي لحظة. 

الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة في ليبيا هانا تيتيه تقدم إحاطة إلى مجلس الأمن الدولي حول الأوضاع في ليبيا
الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة في ليبيا هانا تيتيه تقدم إحاطة إلى مجلس الأمن الدولي حول الأوضاع في ليبيا

ورغم غياب مواجهات واسعة النطاق، فإن احتمالات التصعيد تبقى قائمة مع تغير التحالفات أو تصاعد التوترات المحلية، في ظل بيئة أمنية لم تصل بعد إلى مرحلة الدولة الموحدة القادرة على احتكار القوة، بحسب التقرير.

تقول المبعوثة الأممية لدى ليبيا هانا تيتيه في إحاطتها أمام مجلس الأمن الدولي: الوضع الأمني الليبي يبقى هشا مع رغبة مجموعات مسلحة في السيطرة على الأرض، وممارسة أنشطة غير مشروعة؛ وفي الشهر الماضي، وقعت صدامات في كل من الخمس وصرمان والزاوية؛ فضلا عن استمرار تدفق الأسلحة إلى ليبيا.

وأكدت تيتيه على ضرورة توحيد المؤسسات الأمنية في ليبيا، مشيرة بشكل خاص إلى الوضع في الحدود الجنوبية والمنطقة الغربية.

سوء إدارة النفط الليبي

اقتصاديا، يكشف التقرير عن مفارقة لافتة؛ فبينما تمتلك ليبيا موارد نفطية كبيرة، فإن الانقسام السياسي يعرقل ترجمة هذه الثروة إلى استقرار معيشي؛ إذ يؤدي غياب الشفافية وتضارب مراكز القرار إلى سوء إدارة الإيرادات، ما يعمق الفجوة بين الموارد المتاحة والواقع الاقتصادي للمواطنين.

ويضيف التقرير: الانقسام السياسي وتعدد مراكز القرار المالي، ما يؤدي إلى ضعف الشفافية وتشتت إدارة الإيرادات، وبالتالي اتساع الفجوة بين الموارد المتاحة ومستوى الخدمات المقدمة للمواطنين.

معاناة المهاجرين واللاجئين

على الصعيد الإنساني، يبرز ملف المهاجرين واللاجئين كأحد أكثر التحديات تعقيدا، حيث تحولت ليبيا إلى نقطة عبور رئيسية في مسارات الهجرة غير النظامية، ما ضاعف الضغط على مؤسسات الدولة الهشة أصلا.

مهاجرون غير شرعيين أنقذتهم القوات البحرية الليبية خلال محاولتهم الهرب من ليبيا
مهاجرون غير شرعيين أنقذتهم القوات البحرية الليبية خلال محاولتهم الهرب من ليبيا

ويكشف استمرار تدهور الخدمات الأساسية عن عمق الأزمة المؤسسية، في ظل تراجع قدرة الدولة على أداء وظائفها الأساسية بشكل فعال، بحسب التقرير.

ويوم السبت 18 إبريل الجاري، أعلنت السلطات الليبية العثور على 17 جثة قرب زوارة على الشواطئ الغربية الليبية؛ وعلى مدى اليومين التاليين، عثر على 12 جثة قرب طبرق على السواحل الشرقية الليبية. 

وتتكرر مآسي غرق القوارب في البحر الأبيض المتوسط والعثور على الجثث على الشواطئ، ويعود هذا لأسباب عدة منها زج المهاجرين في قوارب مطاطية غير مهيأة لهذا النوع من الرحلات من المهربين والعصابات المستفيدة من التردي الأمني، وكذلك سياسات الاتحاد الأوروبي على الحدود التي تدينها مرارا المنظمات الحقوقية والإنسانية.

ظروف إنسانية صعبة

بلغة الأرقام، تشير بيانات المنظمة الدولية للهجرة إلى ارتفاع مستمر في أعداد المهاجرين في ليبيا، حيث جرى تسجيل أكثر من 677 ألفا و440 مهاجرا، وتعلن السلطات الليبية بانتظام عن إنقاذ واعتراض قوارب مهاجرين. ففي أبريل 2026، تم إنقاذ أو إعادة مئات المهاجرين غير النظاميين في عمليات منفصلة قبالة السواحل الليبية، بما في ذلك حادثة تم فيها إنقاذ 404 أشخاص من جنسيات مختلفة.

ويواجه المهاجرون في ليبيا ظروفا إنسانية صعبة، حيث كشف مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان عن انتهاكات ممنهجة تشمل القتل والتعذيب والاتجار بالبشر؛ فيما تستضيف ليبيا أكثر من 60 ألف لاجئ وطالب لجوء مسجلين لدى المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين.

كما تعاني ليبيا من ظاهرة “النزوح الداخلي”، حيث يوجد حوالي 125 ألفا و802 نازح داخلي بسبب النزاعات والظروف الأمنية؛ فيما نزح أكثر من 44 ألف عن أراضيهم منذ سبتمبر 2023 عندما ضربت العاصفة دانيال شرق ليبيا.

مخاوف من اتساع رقعة المخاطر

وفي المحصلة، يحذر التقرير من أن استمرار الوضع القائم لا يعني مجرد جمود سياسي، بل ينطوي على مخاطر تدهور تدريجي قد يكون أكثر خطورة من سيناريو الانفجار المفاجئ. 

ومع تداخل التحديات التقليدية مع ضغوط جديدة مثل التغير المناخي وشح الموارد المائية، تتسع رقعة المخاطر لتشمل أبعادا أكثر تعقيدا. وعليه، فإن مستقبل ليبيا سيظل مرهونا بقدرة الفاعلين المحليين على كسر دائرة الانقسام، والانتقال من إدارة الأزمة إلى معالجتها بشكل جذري، باعتبار ذلك المسار الوحيد الكفيل بفتح أفق للاستقرار المستدام.