فيتو
رئيس التحرير
عصام كامل

دونالد ترامب في مرآة "ذا جارديان".. الفاشي المهرج يبحث عن سلطة مطلقة بإشعال حروب غزة وإيران ولبنان.. ويهدد بإبادة حضارات كاملة في ليلة واحدة

دونالد ترامب في كاريكاتير
دونالد ترامب في كاريكاتير نشرته جريدة ذا جارديان

في مشهد تتداخل فيه المآسي الإنسانية من جثث تنتشل من تحت أنقاض غزة، إلى مدرسة ابتدائية تقتل فيها التلميذات في إيران، وانتهاء بتهجير أكثر من مليون شخص قسرا من منازلهم في جنوب لبنان، يظهر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في صورة "الفاشي المضحك" و"النازي التافه".

وتتسع الدائرة لتستدعي لوحة "زحل يلتهم ابنه" للفنان الإسباني فرانسيسكو جويا بما تحمله من دلالة على الهوس بالسلطة والتهام كل ما يهددها، مهما كان الثمن.

هكذا تقول الكاتبة السودانية المقيمة بلندن نسرين مالك في مقاله بجريدة "ذا جارديان" البريطانية، مؤكدة أن نمط السلطة الذي يمارسه ترامب لا يستند إلى رؤية واضحة بقدر ما يستند إلى رغبة في امتلاك السلطة، وكأنه يردد ما يقوله الشاعر الإنجليزي جون ميلتون الشهيرة: "خير لي أن أكون ملكا في الجحيم عن أن أكون عبدا في الجنة".

تقول مالك: في ظل هذه المشاهد تقفز إلى ذهني قصاصات عشوائية من الصور. بعضها لشخصيات من أفلام لم أشاهدها منذ الطفولة، وأخرى لأعمال فنية أو أدبية، يجمع بينها جميعا شر مطلق، مثل البطل الرئيسي أليكس في فيلم الساعة البرتقالية، أو دمية المهرج المخيف في فيلم "سو" تنازعها صورة ترامب  وهو يتحرك بدوافع لحظية مليئة بالكراهية، باتجاه إشعال الحروب، وقتل المدنيين الأبرياء، وتهديد حضارات كاملة في ليلة واحدة.

ترامب شو.. خطابات متشابكة بلا وعي

تضيف الكاتبة في مقالها: لا يتبع ترامب الطابع أو الشكل الفاشي التقليدي، فهو لا ينظم تجمعات ضخمة، ولا يرتدي زيا موحدا، ولا يلقي خطابات نارية من شرفات أمام حشود تلوح بالأعلام. ولم يقم -حتى الآن بالكامل- بإلغاء الدستور أو تفكيك الديمقراطية. إنه شخصية كوميدية مرتبكة، رجل تكشفه انفعالاته الغاضبة على وسائل التواصل أو خطاباته المتشابكة بلا وعي.

الرئيس الأمريكي دونالد ترامب
الرئيس الأمريكي دونالد ترامب

وتتابع: يتحدث ترامب عن الحرب على إيران وهو يقف إلى جوار بجانب أرنب عيد الفصح العملاق (شخصية أسطورية ألمانية نشأت في القرن الثامن عشر، حيث يعتقد أنه يخبئ البيض الملون للأطفال)، وينشر صورة لنفسه على أنه يسوع، ويصرخ ويضحك ثم يتراجع عندما يتعرض للهجوم.

ترامب.. زحل يلتهم ابنه

اعتاد ترامب تمجيد ذاته، والحقد على خصومه، والغضب من الصحافة، والرغبة في الانتقام من النظام الإيراني، وكأنه بطل لوحة "زحل يلتهم ابنه".

بعيدا عن المقال، تحكي لوحة الفنان الإسباني فرانسيسكو جويا قصة أحد أبرز آلهة الجبابرة في الأساطير الإغريقية، والذي أطاح بوالده ليصبح ملك الآلهة، واشتهر بأكل أطفاله خوفا من نبوءة تخلعه، قبل أن يهزمه ابنه زيوس، وتتحقق الأسطورة.

تقول مالك: ير البعض أن افتقار ترامب للرؤية أو الأيديولوجيا يجعلانه أقل خطورة من طغاة تاريخيين أصبحوا نموذجا للشر. وهي رؤية خاطئة؛ ففي عام 1931، أجرت الصحفية الأمريكية الشهيرة دوروثي طومسون حوارا مع أدولف هتلر بعد صعود الحزب النازي، قبل أن تخرج لتقول للعالم: كنت مقتنعة أنني التقيت بالديكتاتور المستقبلي لألمانيا؛ لكن بعد أقل من دقيقة، أدركت أنه ليس كذلك. لقد كان مجرد رجل تافه بشكل مذهل!

وعندما أجرت الصحفية الأمريكية باربرا جريزوتي هاريسون حوارا مع مؤسس الفاشية بينيتو موسوليني قالت: "تخيلوه، بحذائه العسكري ووجهه الصارم وخطاباته المسرحية؛ ذلك المهرج السخيف؛ وتذكروا أن السخافة لا تعني عدم الخطورة".

الشر يتسلل في شكل مثير للسخرية 

تقول مالك: نادرا ما يأتي الشر في صورته الكلاسيكية الواضحة، بل يتجسد في شخصيات مضطربة أو مثير للسخرية، تحركها رغبة لا تهدأ في تحقيق الكمال أو السيطرة مهما كان الثمن؛ وفي حالة ترامب تتجلى هذه الفكرة في مزيج من العبث والسلطة.

في هذا السياق تستحضر الكاتبة ذات الأصول السودانية مقولة للشاعر الإنجليزي جون ميلتون: "خير لي أن أملك في الجحيم من أن أكون عبدا في الجنة"، في إشارة إلى منطق تبني القوة المطلقة حتى لو قادت إلى الدمار.

وتتابع: الشر يخلق من العبث واللامبالاة والعنف والوحشية. وهنا تلاحقني قصة فيلم "التطهير"، حيث تسمح السلطة بارتكاب كافة الجرائم، بما فيها القتل لمدة 12 ساعة متواصلة سنويا لتفريغ الغضب البشري. لكن ذلك لا يكفي، حيث يتحول الأمر إلى احتفال مصحوب بأزياء وأقنعة وموسيقى صاخبة. وكأن الجريمة لا تكون "ممتعة" دون أن تمارس بوصفها لعبة؛ كما هو الحال بالنسبة لمركز "ألكاتراز التماسيح" المثير للجدل والذي أنشأته إدارة ترامب في مدينة إيفرجليدز بفلوريدا عام 2025 في منطقة مستنقعات نائية بحيث يجري احتجاز المهاجرين عير الشرعيين في ظروف قاسية وغير إنسانية.

إلحاق الأذى بالآخرين

تقول مالك: لن تجدي محاولات تفسير الشر الذي يمارسه ترامب بوصفه غير أيديولوجي أو بلا هدف استراتيجي. بعض المعلقين يرون أن افتقار الرئيس الأمريكي وافتقاره رؤية وأيديولوجية واضحة يجعلان منه أقل خطورة. لكنهم مخطئون.

وتضيف: العنف الذي يطلقه ترامب ويدعمه، داخليا وخارجيا، يستند إلى سوابق متعددة، ولا يمكن مواجهته إلا بقوة وحزم عاجلين؛ وبدون ذلك، سيتسع ليبتلع كل شيء؛ أو كما يقول باتريك بيتمان بطل راوية "المختل الأمريكي": ألمي دائم وحاد، وأريد أن أُنزل هذا الألم بالآخرين.