فيتو
رئيس التحرير
عصام كامل

"محمود" أحد الناجين الثلاثة من حادث المنوفية المروع يروي تفاصيل جديدة (فيديو)

محمود أحد الناجين
محمود أحد الناجين الثلاثة من حادث المنوفية

في الطريق الممتد بين السادات وكفر داوود بالمنوفية، حيث يختلط ظلام الليل ببدايات الفجر، كانت رحلة عودة عادية لعمال أنهكهم السعي وراء لقمة العيش، لم يكن في الحكاية ما يوحي بأنها ستنتهي بمأساة، ولا في الوجوه ما ينذر بأن بعضهم لن يصل أبدا.

إحدى عشرة روح تزاحمت داخل سيارة ربع نقل، ثمانية في الصندوق وثلاثة في الكابينة، يتبادلون الصمت تارة والكلمات المتقطعة تارة أخرى، كانوا عائدين من عملهم في المزارع، يحملون تعب الليل وأمل الصباح، حتى شق الهدوء صوت قادم من العدم، سيارة تسير عكس الاتجاه، كأنها قدر مسرع لا يمنح فرصة للنجاة.

سيارة تسير عكس الإتجاه 

في لحظة خاطفة، انقلب كل شيء، اصطدام عنيف بسيارة جامبو محملة بالدواجن، صدمة لم تترك مجالا للفهم ولا حتى للخوف، تسع أرواح غادرت الحياة دفعة واحدة، وثلاثة فقط كُتب لهم أن يبقوا شهودا على ما حدث.

محمود إبراهيم شريف، أحد الناجين، لم ير لحظة الاصطدام، الأب لطفلين غاب عن الوعي من تأثير قوة الاصطدام، كأن الرحمة اختارت أن تحجبه عن المشهد، وحين أفاق، لم يكن هناك سوى الصمت الثقيل والصدمة، وهو يرى رفقاؤه متناثرين على الطريق،  وصوت داخلي يدفعه للبحث عن رفاقه.

محمود حاول إيقاظ زملائه

نهض مترنحا يغالب آلامه، ينادي بأسمائهم، يلمس وجوههم، يحاول إيقاظهم كما لو كانوا نائمين، لكن لا أحد يجيب، سكون وظلام ورائحة الموت تغطى المكان، تسعة منهم فارقوا الحياة، وواحد فقط كان لا يزال به أثر من روح.

اقترب منه محمود، حاول أن يعيده، أن ينتزع له لحظة أخرى من الحياة، لكنه لم ينجح، وكأن الفجر الذي أذن قبل دقائق كانت الرحمة الأخيرة للرفقاء ليرددوا الشهادة خلف المؤذن.

يقول محمود إنهم اعتادوا هذا الطريق، يذهبون إلى العمل مساء ويعودون مع أول نداء للفجر، لم تكن لهم مزرعة واحدة، بل كانوا يتنقلون حيث يكون الرزق، يحملون أجسادهم المتعبة من مكان إلى آخر، ويعودون كل يوم على أمل يوم جديد، لكن ذلك اليوم لم يكن كغيره.

تحول الطريق إلى شاهد على مأساة، وعلى حكاية عمال خرجوا بحثا عن الحياة فعادوا محمولين إلى الموت، وبينهم نجا محمود، لا ليحكي فقط، بل ليحمل في قلبه وجع الذكرى، وصوتا لا يغيب، ومشهدا ربما لن يغيب عن عينيه ما دام على قيد الحياة.