إغلاق مضيق هرمز يضع العالم على مفترق طرق.. "ذا ناشيونال إنترست": شبح أزمة وقود سبعينيات القرن الماضي يعاود الظهور.. مخاوف من تضخم خانق.. وإنهاء الحرب هو الحل
في ظل تصاعد وتيرة الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، يبرز إغلاق مضيق هرمز كأحد أخطر السيناريوهات التي تهدد استقرار أسواق الطاقة العالمية، وسط مخاوف من قفزات حادة في أسعار النفط وتداعيات اقتصادية قد تقود العالم إلى أزمة شبيهة بسبعينيات القرن الماضي.
وفي السياق، استعرض الباحث بمركز دراسة رأس المال البشري بجامعة بوفالو الأمريكية، ميلتون إزراتي، في مقال نشره موقع “ناشيونال إنترست”، السيناريوهات المحتملة لتداعيات الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، خاصة فيما يتعلق باستمرار إغلاق مضيق هرمز وتأثيره على أسواق النفط العالمية. وأكد أن جميع الاحتمالات، سلبية كانت أم إيجابية، لا تزال قائمة، مشددًا على أن الحل الأمثل يتمثل في الإسراع بإنهاء الحرب، لتفادي تكرار أزمة الطاقة التي شهدها العالم في سبعينيات القرن الماضي، بما حملته من “ركود تضخمي” وحديث عن “ذروة النفط”.
طيف واسع من الاحتمالات المقلقة
يقول إزراتي: الحرب في الخليج العربي، سواء أيدها المرء أم لا، تطرح طيفا واسعا من الاحتمالات المقلقة، ما بين أخبار حول إجراء مفاوضات تمنح أملا مؤقتا بوقف الدمار وفتح طريق واضح إلى الأمام، واخرى تنفي هذه الآمال وتنكر بدء المحادثات. وطالما استمر القتال، يصعب تصور نهاية للحصار الإيراني على مضيق هرمز، فضلا عن تقييم الظروف التي قد تؤثر في حركة الشحن هناك. وفي هذا المشهد المعقد، تبرز سلسلة لا نهائية من الاحتمالات الجيدة والسيئة والغامضة في آن واحد.

ويضيف: لكن فيما يتعلق بالأعمال والاقتصاد، هناك بعض الحقائق المؤكدة. فقد حرم إغلاق مضيق هرمز العالم، في الوقت الراهن، من نحو 20% من إمدادات النفط والغاز الطبيعي المنقولة بحرا. ويشمل ذلك كامل الإنتاج الإيراني تقريبا، الذي يذهب معظمه إلى الصين، إضافة إلى كميات كبيرة من النفط والغاز السعودي والكويتي والقطري والإماراتي، والتي تتجه معظمها إلى أوروبا واليابان وبقية آسيا. والحقيقة الأخرى الصارخة هي الارتفاع الحاد في أسعار النفط والغاز؛ حيث فارتفع سعر برميل خام غرب تكساس الوسيط بأكثر من 60% من 62 دولارا في منتصف فبراير إلى ما يزيد قليلا على 100 دولار وقت كتابة هذا التقرير. كما ارتفع سعر خام برنت بنسبة مماثلة، ليقترب من 110 دولارات للبرميل.
سيناريوهات مثيرة للقلق
أطلقت هذه التطورات سيلا من التقارير المثيرة للقلق في وسائل الإعلام، التي تتخيل سيناريوهات تتراوح بين تضخم خانق شبيه بما حدث في سبعينيات القرن الماضي، وانتهاء أي أمل في حياة ميسورة التكلفة، وصولا إلى الركود و“الركود التضخمي”، بحسب الكاتب.
وبعيدا عن المقال، فإن الركود التضخمي هو حالة اقتصادية نادرة ومعقدة تجمع بين ركود النمو الاقتصادي وارتفاع معدلات البطالة مع تضخم مرتفع وزيادة الأسعار. ويعد من أصعب التحديات للسياسات النقدية، إذ يصعب محاربة التضخم دون زيادة حدة الركود. وتاريخيا، ظهرت هذه الظاهرة في سبعينيات القرن الماضي نتيجة أزمة النفط.
التغلب على مخاوف سيناريو ذروة النفط
بالعودة إلى المقال، يقول إزراتي: كل هذه السيناريوهات ممكنة بالطبع، لكن هناك أيضا مؤشرات أخرى في هذا الوضع غير المؤكد تشير إلى تداعيات اقتصادية أقل حدة وأقل إثارة للخوف؛ فعلى سبيل المثال، من السهل استبعاد تكرار سيناريو السبعينيات، حين أدى حظر نفطي فرضته منظمة الدول المصدرة للنفط (أوبك) إلى خلق شعور واسع بندرة النفط. وكانت عبارات مثل "ذروة النفط" -مصطلح يشير إلى أقصى معدل لإنتاج النفط في العالم- شائعة آنذاك. وهذا الشعور بالندرة خلق توقعات بأن طوابير الوقود ستطول أكثر، وأن الأسعار سترتفع باستمرار. وأسهمت هذه التوقعات في زيادة الضغوط التضخمية، وبالتالي تعميق التباطؤ الاقتصادي. كما أن الزخم الناتج عن هذه التوقعات جعل من الصعب السيطرة على التضخم أو إنعاش الاقتصاد حتى بعد تراجع الضغوط المباشرة.

ومن وجهة نظر الكاتب، فإن الوضع مختلف إلى حد كبير اليوم، مضيفا: قضت الكفاءة العالية في استخدام الوقود، والتقنيات الجديدة في الحفر، وانتشار البدائل، على الحديث عن “ذروة النفط”. بل إن هناك شعورا بوفرة النفط والغاز في أمريكا الشمالية. إضافة إلى ذلك، يتزايد الاعتقاد بأن هذه الإمدادات ستصل بسرعة إلى الأسواق العالمية، وأنه حتى في حال إغلاق مضيق هرمز بشكل دائم، فإن منتجي النفط في شبه الجزيرة العربية سيبنون خطوط أنابيب ومرافق تصدير لتجاوز المضيق.
بدائل محتملة قد تساعد في التغلب على غلق مضيق هرمز
يمضي إزراتي قائلا: على الرغم من أن توفر هذه الإمدادات قد يستغرق سنوات، فإن مجرد وجود هذا الاحتمال يبدد توقعات الندرة الدائمة التي سادت في سبعينيات القرن الماضي، والتي غذت التضخم وأثقلت كاهل الاقتصادات العالمية.
ويضيف: هناك أيضا اختلاف مهم آخر. ففي سبعينيات القرن الماضي، حاول الاحتياطي الفيدرالي والبنوك المركزية الأخرى التخفيف من آثار نقص النفط عبر سياسات نقدية توسعية، ما أدى إلى ضخ أموال في الاقتصاد وزيادة الضغوط التضخمية. ولو أنهم تجنبوا ذلك، لارتفعت أسعار الوقود فقط، دون أن تمتد آثار التضخم إلى بقية السلع بهذا الشكل الواسع. أما اليوم، فيبدو أن البنوك المركزية أكثر وعيًا بأخطاء الماضي، كما يظهر من قرارات تثبيت أسعار الفائدة. وإذا استمر هذا الحذر، فإن ارتفاع أسعار النفط سيؤثر على التضخم، لكن ليس بنفس العمق والاستمرارية التي شهدها العالم في سبعينيات القرن الماضي.
شبح شح الإمدادات يبقى حاضرا بقوة
لكن الكاتب يحذر، في الوقت ذاته، من أنه على الرغم من أن شبح سبعينيات القرن الماضي يبدو أقل تهديدا، إلا أن استمرار الحرب يجعل من الصعب التنبؤ بمسار الأمور. لذا، لا يمكن للمحللين سوى رسم سيناريوهات لأفضل وأسوأ الاحتمالات، مع توقع أن يكون الواقع في مكان ما بينهما.
يقول إزراتي: أفضل السيناريوهات يتمثل في انتهاء مبكر للقتال، يتبعه بدء مفاوضات مع حكومة إيرانية أكثر تعاونا أو أقل عدائية، سواء نتيجة انتفاضة شعبية ناجحة أو تراجع في مواقف النظام القائم. وفي هذه الحالة، سيعاد فتح مضيق هرمز سريعا، وستبدأ جهود إصلاح الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية وحقول النفط والغاز.
ويضيف: أما أسوأ السيناريوهات، فيتمثل في استمرار القتال لفترة طويلة وتدمير واسع لحقول النفط والغاز والبنية التحتية للشحن. وفي هذه الحالة، سيفقد العالم بشكل دائم جزءا كبيرا من إمداداته من الخليج، ما سيدفع أسعار الوقود الأحفوري إلى مستويات أعلى بكثير من الحالية، مع غياب أي أمل قريب في انخفاضها. ورغم أن إمدادات أمريكا الشمالية ستتدفق إلى الأسواق العالمية، فإنها لن تكون كافية لتعويض خسائر الشرق الأوسط. والأسوأ أن تعود البنوك المركزية إلى سياسات السبعينيات، ما يؤدي إلى تضخم واسع ومستمر.
وينهي إزراتي مقاله بالقول: بحسب أسواق المراهنات، هناك احتمال يقارب 80% لانتهاء القتال بحلول نهاية يونيو القادم. وإذا تحقق ذلك، فإن السيناريو الإيجابي سيكون الأقرب. لكن هذه التوقعات ليست مؤكدة، ومع استمرار القتال، لا يمكن استبعاد السيناريو الأسوأ.