الرئيس الكوبي دياز-كانيل بين وصية الثورة وامتحان البقاء.. رفع شعار الوطن أو الموت في مواجهة عقوبات ترامب.. ولؤلؤة الكاريبي تستحضر مأساة جيفارا وراعي الأغنام
ميجيل دياز-كانيل، في يناير 1959، دخل ثوار تشي جيفارا العاصمة الكوبية معلنين انتصار الثورة، لتبدأ مرحلة جديدة في تاريخ الجزيرة التي عرفت بـ"لؤلؤة الكاريبي".
وعلى مدى 67 عاما، باتت قصص هؤلاء الثوار رمزا للثقافة الشعبية وأصبحت صورة بطلها الأسطوري جيفارا، ذلك الطبيب الثوري الكوبي الماركسي الأرجينتيني المولد، معلقة على جدران أجيال وأجيال تحلم بثورة تحطم القيود، وتؤمن بأن "الاستسلام ليس خيارا" بحسب تصريحات الرئيس الكوبي ميجيل دياز-كانيل ردا على تهديدات الإدارة الأمريكية التي لا تنتهي لبلاده التي اكتسبت اسمها من كونها "أرض الأراضي الخصبة".
يقولون عن جيفارا إنه "مصدر إلهام لكل إنسان يحب الحرية"، وإنه "أكمل إنسان فى عصرنا"، فهل ينجو دياز-كانيل من مصيره أم أنه مثله "سيحارب ويموت بسبب معتقداته"؟
التصدي لعدوان الإرهابيين والمرتزقة
خلال الساعات الماضية، تصدرت تصريحات دياز-كانيل بأن "بلاده ستدافع عن نفسها ضد "عدوان الإرهابين والمرتزقة الذين يسعون إلى تقويض سيادة الدولة واستقرارها الوطني"، وذلك بعد ساعات من استهداف القوات الكوبية لزورق أمريكي اقتحم مياهها الإقليمية، ما أدى لمقتل 4 أمريكيين وإصابة ستة آخرين.
وما بين الصمت الأمريكي، والأصوات الرئاسية كوبية عاتية، يرى البعض أنه قد يكون سائرا على نفس درب الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو الذي اختطفته القوات الأمريكية وزوجته في عملية مثلت انتهاكا صريحا لكل الأعراف والمواثيق الدولية.

قبل سبع سنوات من موت جيفارا، ولد دياز-كانيل، والذي يعني اسمه المعلم، في 20 إبريل 1960؛ وتدرج داخل صفوف الحزب الشيوعي الكوبي، بدءا من النشاط الطلابي والشبيبة الشيوعية، وصولا إلى عضوية المكتب السياسي والمناصب الوزارية والتنفيذية، قبل أن يصبح أول شخص ولد بعد الثورة الكوبية يتولى رئاسة كوبا في 19 إبريل 2018.
عقوبات ترامب تعقد ثورية دياز-كانيل
صعود دياز-كانيل، وتوجهاته الشيوعية، لم تنل رضا الولايات المتحدة، حيث شهدت العلاقات الأمركية الكوبية توترات متصاعدة بلغت ذروتها في عام 2025، بعدما فرض الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عقوبات على السفن التي تنقل النفط إلى الأراضي الكوبية، وهددت بفرض رسوم جمركية على الموردين، واصفا كوبا بـ"دولة فاشلة ينقصها المال والشحنات وكل شيء".
تصريحات ترامب ربما بدت قاسية، لكنها تعبر عن واقع مأوساي تعيشه كوبا في ظل سيل العقوبات والتهديدات الأمريكية، إذ تخلى 70% من الكوبيين عن تناول إحدى الوجبات اليومية، ويعيش 89% منهم في حالة من الفقر المدقع، وانخفض عدد سكانها من 11 مليون إلى 8.5 مليون نسمة جراء "نزيف هجرة لا ينقطع"، وكميات نفط لا تكفي لأكثر من 40% من الاحتياجات الكوبية، بحسب تقارير إعلامية دولية.
الاستسلام ليس خيارا
أمام عواصف ترامب، اختار دياز-كانيل الطريق الصعب مؤكدا أن "الاستسلام ليس خيارا"، في عبارة شبيهة بما قاله الرئيس الكوبي الراحل فيدل كاسترو "الوطن أو الموت"؛ معتقد ربما يكون بديله مصير مادورو (الخطف) أو مصير جيفارا الذي أبلغ راعي أغنام عن مكان اختبائه قائلا: كانت حروبه مع العدو تخيف أغنامي!
نشأ ياز في أسرة متوسطة الحال، فوالده كان عاملا في مصنع، ووالدته معلمة، ودرس الهندسة الكهربائية في الجامعة المركزية "مارتا أبرو" في لاس فيلاز بمدينة سانتا كلارا، حيث شغل منصب نائب رئيس الاتحاد الطلابي الجامعي، وتخرج فيها عام 1982، ونال درجتي الماجستير في الإدارة والعلوم التقنية.
صعود دياز-كانيل اللافت في الحزب الشيوعي
وبعد تخرجه، أدى كانيل الخدمة العسكرية في وحدة الصواريخ المضادة للطائرات؛ وأُسندت إليه مهمة العمل ضمن وحدة الحراسة المكلفة بتأمين الحماية الشخصية لكل من الأخوين فيدل وراؤول كاسترو.

وفي عام 1987، عين ممثلا للحزب الشيوعي في نيكاراجوا الخاضعة للحكم الاشتراكي آنذاك، في مهمة وصفت بأنها إستراتيجية، نظرا للتحالف القوي بين البلدين، قبل أن ينال عضوية اللجنة المركزية للحزب الشيوعي الكوبي في عام 1991، مما عزز مكانته وأهميته داخل هياكل القيادة السياسية في البلاد، ثم منصب السكرتير الأول للحزب الشيوعي الكوبي في مقاطعة فيلا كلارا، لينضم إلى مجموعة مختارة من قادة الحزب الإقليميين.
وفي عام 2009، اختاره راؤول كاسترو وزيرا للتعليم العالي، وظل يشغل هذا المنصب حتى مارس 2012، عندما أصبح أحد نواب رئيس مجلس الوزراء الثمانية، متوليا مسؤولية القطاعات التعليمية والثقافية والرياضية.
عقوبات أمريكية وتلميحات باحتلال هافانا
في 19 أبريل 2018، أقر البرلمان الكوبي رسميا انتخابه رئيسا للبلاد خلفا لراؤول كاسترو، بعد حصوله على 603 أصوات من أصل 604، وفقا للجنة الانتخابية الوطنية.
وما بين الشد والجذب ظلت العلاقة بين واشنطن وهافانا في حالة ترنح؛ لكن العلاقات بين البلدين شهدت توترات متصاعدة مع عودة دونالد ترامب للبيت الأبيض في يناير 2025؛ ففي 12 يوليو 2025، أعلن وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو –ذو الأصول الكوبية- فرض قيود على منحه تأشيرات دخول إلى الولايات المتحدة.
وعقب الهجوم العسكري الأمريكي على فنزويلا في مطلع يناير 2026 واعتقال الرئيس الفنزويلي وزوجته، ألمح ترامب بأن كوبا ستكون الهدف التالي.
استحضار مأسة جيفارا وراعي الأغنام
تنقل جريدة "ذا جابان تايمز" عن المدير التنفيذي لمجموعة دراسات كوبا ريكاردو هيريرو قوله: إن الرئيس الكوبي دياز-كانيل لا يملك حلفاء في نصف الكرة الغربي مستعدين للمخاطرة بعلاقاتهم الهشة أصلا مع واشنطن من أجل كوبا"، مشيرا إلى المكسيك والبرازيل وكولومبيا.
يضيف هيريرو: "من الصعب تخيل أن روسيا أو الصين أو أي طرف آخر سيهب لإنقاذ كوبا؛ وحتى لو وجدت كوبا موردا للوقود، فمن غير المرجح أن تحصل على الصفقات التفضيلية التي كانت تقدمها كاراكاس. فأي منقذ جديد سيتعين عليه تحمل مخاطر ائتمانية كبيرة مع كوبا، ومواجهة واشنطن سياسيا، ويبدو أن كوبا بلا خيارات، وأن اقتصادها سيتحطم".
تحدت كوبا الصعاب طويلا، ونجت من محاولات أمريكية متعددة للإطاحة بقادتها منذ ثورة 1959، لكن طريق دياز-كانيل يبقى مرهونا بمساري "الوطن أو الموت" أو راعي أغنام –جديد- يزعم أن "حروبه مع العدو تخيف أغنامه".