د.يسري الشرقاوي يكتب: الاستثمار في إفريقيا وسنوات الفرص الضائعة
مما لا شك فيه أن مصر تمر الآن بتجربة إعادة بناء متكامل لقدرات الدولة المصرية مع إجراء العديد من الإصلاحات المتداخلة والمتراكمة على المستوى الاقتصادي والهيكلي والتشريعي في فترة كانت الدولة فيها في أمس الحاجة لإعادة ثبات قدرة الدولة والتعبير عن إمكانية تحقيق قفزات اقتصادية تستطيع أن تحفظ لمصر مكانتها وتحفظ لهذا الشعب مستقبل قليل المعاناة.
وانتهجت مصر منذ عام 2014 نهجًا واضحًا وخطًا استراتيجيًا في ملف السياسة الخارجية بُنى على محاور وأهداف واضحة تتمحور حول خلق دور من التوازن السياسي بين تكتلات وقوى العالم بما يحفظ ويحقق مصالح الدولة المصرية، وأيضا العمل على تشكيل تحالفات إقليمية جديدة قادرة على صياغة وترجمة وتفعيل دور مصر الإقليمي والمحوري.
والمحور الهام والأخير هو إعادة مصر لمكانتها السياسية والاقتصادية والريادية للقارة الأفريقية، وبرز في ذلك اهتمام الرئيس عبدالفتاح السيسي بهذا الملف الهام وهو ملف العلاقات المصرية الأفريقية، الأمر الذى عكس تمامًا أن هناك حالة صدق ويقين بيّن بأن رأس الدولة يؤمن تمام الإيمان بأن أفريقيا هي الظهير الحقيقي وهى الملاذ الآمن الذى يمكن أن يمتلك الحلول لكافة التحديات الاقتصادية والظروف غير الطبيعية والتغيرات المناخية والشح المائى وتصحر الأراضي.
كما ظهر جليًا أن هناك حالة من الإيمان الراسخ لدى القيادة السياسية ولدى العديد من الدوائر والمثقفين والاقتصاديين أن أفريقيا والعلاقات المصرية الأفريقية بما فيها الاستثمار والتجارة مع القارة كانت جزءً من قائمة كبرى من الفرص الضائعة وسنوات الفرص الضائعة على مدار أكثر من 28 عامًا من الإهمال في مرحلة ما قبل 2014، الأمر الذى كبدنا كثيرًا من الفقدان لعديد من الفرص المختلفة والتي كانت تشكل وما زالت هي الحلول الفعلية لاقتصادنا الذى يجب أن يرتبط بالاقتصاد الأفريقي مهما كانت التحديات والتهديدات.
ووفرت مصر في العشر سنوات الأخيرة إرادة سياسية واضحة وظفت أدوات الدولة الرسمية بقيادة الدبلوماسية الرئاسية ومن خلفها الدبلوماسية الرسمية حتى يتم تهيئة المناخ وتنقية الأجواء لتحرك الدبلوماسية الشعبية الاقتصادية "الاستثمارية والتجارية" حتى نستطيع تعويض ما تم فقده في السنوات والفرص السابق الإشارة إليها.
وتميزت هذه المرحلة عن سابقتها في المحاولة التي جرت في عهد الرئيس الراحل جمال عبد الناصر بأن التوجه الحالي يحمل أهدافًا للتنمية المصرية الأفريقية المستدامة وتعزيز المصالح المشتركة عكس ما كانت تجربة الرئيس عبد الناصر تحمل صبغة دعم حركات التحرير وتركت بصمة تاريخية لم يُحسن استغلالها فعمقت خسائر الفرص الضائعة.
المحللون والمراقبون والمهتمون بالشأن الاقتصادي والسياسي يثقون تمامًا بأن التحرك نحو أفريقيا والاستثمارات والتجارة معها تم التخطيط له قبل خمسين عامًا والتحرك للتنفيذ بدأ بالفعل قبل عشرين عامًا الأخيرة فيما يتعلق بالاستثمارات والتجارة وتحديدًا الاستثمارات المشتركة مع دول القارة الافريقية.
بصفة عامة فاذا القينا نظرة شمولية وتحليلية سريعة على الاستثمار المباشر خلال آخر عشرين عاما في القارة، سنجد الاستثمار المباشر المتراكم (Stock): ارتفع المخزون المتراكم من حوالي 200-300 مليار دولار في 2005 إلى أكثر من 1 تريليون دولار بحلول 2022، مع تقديرات تخطى 1.2-1.5 تريليون دولار بنهاية 2025. هذا يعكس تراكم الاستثمارات على مدى 20 عامًا، حيث بلغت التدفقات الإجمالية المقدرة حوالي 800-1000 مليار دولار (متوسط 45-50 مليار سنويًا). 38 5 34
وعند مقارنة ذلك بالنسبة العالمية فان ما تمثله أفريقيا حوالي 3-5% من التدفقات العالمية لـFDI خلال الفترة، مع ارتفاع إلى 6% في 2024.، واذا اردنا المرور في نظرة تحليلية للاستثمارات المباشرة في الـ٢٠ عامًا
فبناءً على بيانات منظمة الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (UNCTAD) والبنك الدولي، شهدت أفريقيا نموًا ملحوظًا في تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر (FDI) خلال الفترة من 2006 إلى 2025، مع تقلبات ناتجة عن الظروف الاقتصادية العالمية مثل الأزمة المالية العالمية (2008-2009)، ثم أزمة جائحة كوفيد-19 (2020-2021)، والتوترات الجيوسياسية، الاستثمارات المباشرة تشمل الاستحواذات، الاستثمارات الجديدة (greenfield)، والاندماجات، بينما غير المباشرة (portfolio investments) تشمل الاستثمارات في الأوراق المالية مثل السندات والأسهم.
هيكل تحليلي للاستثمارات المباشرة (FDI):
• التدفقات السنوية (Flows): متوسط التدفقات السنوية حوالي 40-60 مليار دولار أمريكي منذ 2010. على سبيل المثال:
◦ الوصول لقمة جذب الاستثمارات في 2013: 98 مليار دولار.
◦ انخفاض في 2020: أقل من 40 مليار دولار بسبب الجائحة ثم ارتفاع قياسي في 2024: 97 مليار دولار (ارتفاع 75% عن 2023)، مدفوعًا بمشروعات عملاقة في مصر (مثل رأس الحكمة بقيمة 35 مليار دولار).
أما تحليل "الاستثمارات غير المباشرة" (Portfolio Investments):
• التدفقات السنوية (Flows): أقل استقرارًا من FDI، مع تدفقات صافية إيجابية في معظم السنوات لكن مع خروج رؤوس أموال في أزمات (مثل خروج 17% في 2022). متوسط التدفقات السنوية حوالي 10-20 مليار دولار، مع التركيز في جنوب أفريقيا ونيجيريا (حوالي 45% و13% من الإجمالي في 2001-2012).
• الاستثمار غير المباشر المتراكم (Stock): المخزون المتراكم أقل من FDI، يقدر بحوالي 200-400 مليار دولار بحلول 2022، مع نمو بطيء بسبب التركيز على الأسواق الناشئة مثل جنوب أفريقيا (96% من التدفقات في 1990-2000، انخفاض إلى 59% لاحقًا). التدفقات الإجمالية آخر 20 عامًا حوالي 200-300 مليار دولار.
يتأثر الاستثمار غير المباشر بعدد من التحديات فهو أكثر تأثرًا بالظروف العالمية، مثل ارتفاع الفوائد الأمريكية، مما أدى إلى انخفاض في 2022 إلى حوالي 174.9 مليار دولار لجميع التدفقات الخارجية (بما في ذلك FDI وODA).
واذا اردنا ترتيب الدول المستثمرة من الأكثر إلى الأقل (أعلى 10 دول)
بناءً على بيانات FDI stock وflows آخر 20 عامًا (2006-2025)، من UNCTAD والبنك الدولي FDI Markets، سنجد ان أعلى 10 دول مستثمرة في أفريقيا (مع تقديرات للحجم الإجمالي بالمليار دولار، مع التركيز على الـstock المتراكم حيثما متاح):
أولها. الصين: أكثر من 100 مليار دولار (أكبر مستثمر في التدفقات، خاصة في البنية التحتية والتعدين، نمو من 2003-2022).
ثم فرنسا حوالي 50-70 مليار دولار (تركيز تاريخي في شمال وغرب أفريقيا، في الطاقة والخدمات).
ثم الإمارات العربية المتحدة: 40-60 مليار دولار (مشاريع عملاقة مثل رأس الحكمة في مصر، وطاقة متجددة).
ثم الولايات المتحدة: 30-50 مليار دولار (في الطاقة، التكنولوجيا، والزراعة، نمو من 2003-2022).
ثم إنجلترا: 20-40 مليار دولار (في الخدمات المالية والتعدين).
ثم هولندا، 20-30 مليار دولار (في الزراعة والتصنيع).
ثم المانيا الاتحادية
10-20 مليار دولار (في التصنيع والطاقة).
ثم الهند 10-15 مليار دولار (في الطاقة والتكنولوجيا).
وعلى صعيد الاستثمارات البينية الافريقية فمصر وجنوب أفريقيا وموريشيوس ويتراوح متوسط حجم الاستثمار من ٥-١٥ مليار دولار
هذا الترتيب يعكس الاستثمارات الخارجية بشكل أساسي، مع بعض الداخلية (Intra-African) التي تمثل 12-17% من الإجمالي.
وإذا أردنا أن نسلط الضوء على القطاعات الاستثمارية فإن أبرز القطاعات الاستثمارية
خلال آخر 20 عامًا، تحول التركيز من القطاعات الاستخراجية إلى المتجددة والرقمية، مع جذب حوالي 31% من الاستثمارات الجديدة (greenfield) في 2016-2020، وتعد أبرز القطاعات (مع تقديرات للحجم الإجمالي بالمليار دولار).
1 الطاقة المتجددة والطاقة: أكثر من 100 مليار دولار (نمو 146% في الاستثمارات الجديدة، مثل الهيدروجين الأخضر في موريتانيا بـ34 مليار).
2 التعدين والمعادن (استخراجي): 100-200 مليار دولار (تاريخيًا أكبر، لكن انخفاض إلى 31% في 2016-2020، مثل الكوبالت في الكونغو).
3 التصنيع والصناعات التحويلية: 50-100 مليار دولار (نمو في الغذاء والمنسوجات).
4 التكنولوجيا والبرمجيات (IT وخدمات أعمال): 50-80 مليار دولار (أعلى نمو، مدفوعًا بالتحول الرقمي).
5 البنية التحتية واللوجستيات: 40-60 مليار دولار (مشاريع عابرة للحدود مثل الطرق والموانئ).
6 الزراعة والغذاء: 20-40 مليار دولار (تركيز أمريكي وإماراتي في الحبوب والمنتجات الغذائية).
7 الخدمات المالية والتجزئة: 20-30 مليار دولار (نمو في التجارة الإلكترونية).
8 الاتصالات والرقمنة: 10-20 مليار دولار (استثمارات في البنية التحتية الرقمية).
هذه القطاعات تشكل حوالي 70-80% من الاستثمارات، مع تحول نحو الاستدامة بفضل اتفاقية التجارة البيتية الافريقية الحرك التي تحمل أهدافًا تجارية واستثمارية سوف تعمل خلال عشر سنوات على مضاعفة المستهدفات في تدفق الاستثمارات للقارة.
كاتب المقال رئيس جمعية رجال الأعمال المصريين الأفارقة