جيسي جاكسون، رحيل الصندوق الأسود لـ400 عام من العبودية الأمريكية.. شاهد لحظة اغتيال الأب الروحي للأمريكيين السود.. واتهم جميع رؤساء البيت الأبيض بالفشل في مواجهة التمييز العنصري
في انتخابات الرئاسة الأمريكية لعام 1988، حلم الأمريكيون بأن يصبح القس الأمريكي جيسي جاكسون، والذي أعلنت أسرته وفاته اليوم الثلاثاء عن عمر ناهر الـ84 عاما، أول رئيس أسود في تاريخ الولايات المتحدة.
لكن الحلم اصطدم بواقع عنصري أمريكي ما زال قائما حتى اليوم، على الرغم من اعتلاء الرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما قمة البيت الأبيض في 20 يناير 2009؛ وهو واقع ربما عبر عنه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، والذي نشر مؤخرا مقطع فيديو يسخر فيه من أوباما وزوجته، مصورا كليهما على أنهما "مجرد قردة".
لدى ترشحه لانتخابات الرئاسية قال جاكسون: مهمتنا إطعام الجائع، وكسوة العاري، وإيواء المشرد، وتعليم الأمي، وتوفير فرص عمل للعاطلين، واختيار بقاء البشرية على حساب الحرب النووية.
كلمات جاكسون الرنانة لم تنجح في اجتياز جسور التمييز العنصري الأمريكي؛ ففي كل مرة خاض فيها الانتخابات، لم ينجح في نيل تأييد الحزب، لترشحه على الرغم من تاريخه الطويل في مجال الحقوق المدنية، ورحلته السياسية –وثيقة الصلة- بالأب الروحي للأمريكيين الصوت مارتن لوثر كينج.
شاهد عيان على لحظة اغتيال مارتن لوثر كينج
ظل جاكسون قريبا من كينج حتى لحظة اغتياله في 4 أبريل 1968، حيث كان كينج يستعد للظهور أمام تجمع جماهيري وأثناء استناده إلى جدار الشرفة كي يتبادل الحديث مع جاكسون، الذي كان يقف على الأرض تحت الشرفة، دوى صوت طلقة فجأة، وبعدها انفجرت حنجرة مارتن لوثر ثم سقط على أرضية الشرفة واندفع الدم من عنقه.
حكى جاكسون تلك اللحظة في مقابلة أجرتها معه جريدة "ذا جارديان" البريطانية عام 2018 قائلا: شاهدت اغتيال كينج، وظلت تلك التجربة راسخة في ذاكرتي طوال حياتي. وكلما فكرت في الأمر، أشعر وكأنني أزيل قشرة جرح غائر. إنه أمر مؤلم ومحزن أن يقتل رجل محب بالكراهية، وأن يقتل رجل مسالم بالعنف، وأن يقتل رجل مهتم بالآخرين على يد مجموعة من المهملين.

تقول عائلة جاكسون في بيان إعلان وفاته: "كان والدنا قائدا ملهما، ليس فقط لعائلتنا، بل للمظلومين والمهمشين والمستضعفين في جميع أنحاء العالم؛ لقد ألهم إيمانه الراسخ بالعدالة والمساواة والمحبة الملايين، وندعوكم إلى تكريم ذكراه بمواصلة النضال من أجل القيم التي عاش من أجلها".
لا يختلف بيان عائلة جاكسون عن مواقفه الداعمة للسود، والتي عكستها تصريحاته أثناء جائحة كوفيد-19، حيث شن حملة ضد التفاوت في الرعاية الصحية ونتائجها، متسائلًا: بعد 400 عام من العبودية والفصل العنصري والتمييز، لماذا يفاجأ أحد بأن الأمريكيين من أصل أفريقي يموتون بنسبة غير متناسبة بسبب فيروس كورونا؟ جميع الرؤساء السابقين فشلوا في القضاء على وباء تفوق العرق الأبيض ومعالجة القضايا المتعددة الأوجه التي تواجه الأمريكيين من أصول أفريقية.
رحلة طويلة من نضال لا ينتهي
ولد جاكسون في 8 أكتوبر 1941 في مدينة جرينفيل، بولاية كارولاينا الجنوبية، وانخرط في السياسة في سن مبكرة خلال فترة التمييز العنصري في الجنوب الأمريكي. وانتخب رئيسا لصفه في مدرسة ستيرلينج الثانوية، وهي مدرسة مخصصة للطلاب الأمريكيين السود، حيث برع أيضا في الألعاب الرياضية.

وخلال عطلة الشتاء في سنته الجامعية الأولى، عاد جاكسون إلى منزله في جرينفيل وحاول الحصول على كتاب ضروري لدراسته من مكتبة جرينفيل العامة المخصصة للبيض فقط، لكن طلبه قوبل بالرفض.
بقيت هذه التجربة عالقة في ذهن جاكسون. وبعد بضعة أشهر، وتحديدا في 16 يوليو 1960، دخل ومعه سبعة طلاب سود من المرحلة الثانوية مكتبة جرينفيل في احتجاج سلمي؛ حيث ألقي القبض عليهم فيما عرف لاحقا بـ"مجموعة جرينفيل الثمانية"، بتهمة الإخلال بالنظام العام، ثم أُفرج عنهم بكفالة قدرها 30 دولارا. ما جذب اهتمام مارتن لوثر كينج الذي أصبح مرشده منذ التقاه في مطار اتلانتا أوائل ستينيات القرن الماضي.
الأحد الدامي
وفي عام 1964، التحق جاكسون بكلية شيكاغو اللاهوتية، حيث واصل انخراطه في حركة الحقوق المدنية. وسافر إلى ولاية ألاباما، للانضمام إلى الحركة بعد مشاهدته لقطات إخبارية عن الأحد الدامي في 7 مارس 1965، حيث قاد كينج مسيرة سلمية للمطالبة بالحقوق المدنية عبر جسر إدموند بيتوس في مدينة "سيلما" بولاية ألاباما الأمريكية، قبل أن يتعرضوا للضرب على أيدي قوات الأمن الأمريكية.