في عيد الحب، كيف جسَّد الرسول ﷺ أسمى معاني الحب في حياته
في مجلة الهلال في عدد نوفمبر 1985 كتب عبد المنعم الجداوي مقالا يدور حول الحب عند رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول فيه: عند من تجده غير النبي المختار الذى احبه ربه فأدبه وأحسن تأديبه.. هذا الذي بعث ليتمم مكارم الأخلاق، والحب أسمى ما خلق الله بعد محمد، صلى الله عليه وسلم، ألم يكن هو حبًّا في ذاته؟ ألم يبعث رحمة للعالمين، أي حب بعد هذا الذي يسع البعيد والقريب، الذين اتبعوه والذين لم يتبعوه.
لقد روى أن رسول الله في “غزوة حنين” أعطى من الغنائم لبعض أهل مكة، وهم بعد جدد في الإسلام.. أضعاف ما أعطى قدامى المسلمين، فلما حرم أنصار المدينة الذين خرجوا معه من المدينة وتكبدوا مشقة السفر والقتال في فتح مكة، ثم في غزوة حنين ضد أهل الطائف وقادة ثقيف الذين أفزعهم أن يعود محمد فاتحا، فلما قهرهم ودارت الدائرة عليهم وسدت الغنائم وادي حنين فقسمها رسول الله بين مسلمي الفتح، فتكلم بعض الأنصار وقالوا إن النبي طابت له مكة بعد الفتح، فأعطى أهل قريش وتركنا نحن.
الرسول يشهد بفضل الأنصار عليه
أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى كبيرهم ليجمعهم على كلمة واحدة يلقيها بينهم فاجتمعوا، وخرج عليهم وذكرهم بأنهم هم الذين ناصروه، وهم الذين أووه وآثروه على أموالهم وأولادهم، وهم الذين شهدوا معه بدر وأحد والخندق، ثم قال عليه السلام لهم، إلى هؤلاء الأنصار، أن يذهب الناس إلى رجالهم بالشاة والبعير وتذهبون برسول الله إلى حالكم، فوالذى نفسى بيده لو أن الناس سلكوا شعبًا وسلكت الأنصار شعبًا لسلكت شعب الأنصار، ولولا الهجرة لكنت امرأ من الأنصار، اللهم ارحم الأنصار وأبناء الأنصار.
رضينا بالله ربا
هنا بكى القوم الذين كانوا يتقولون، سالت دموعهم على لحاههم لقد أحسوا كم يكن رسول الله حبا لهم فهتفوا: “رضينا بالله ربًّا وبرسوله قسمًا”، ثم انصرفوا وكل منهم يشعر أنه ملك الدنيا وما عليها.
حب عميق ربط بينه وبين أبي بكر
إن دعوة رسول الله إلى الإسلام قامت أول ما قامت على الحب، فالذي ربط بينه وبين أبي بكر الصديق هو الحب العميق النبيل الذي تمثل في صحبته للهجرة، الحب الكبير الذي أنساه ماله وأولاده وبناته وتجارته وخرج مع رسول الله ليكون معه يدافع عنه ويفتديه بروحه، فلا شيء عنه أحب إليه من رسول الله.
وهذا الحب يقف عند حدود الله فلا يتعداها حتى عندما مات رسول الله خرج الى الناس يقول بكل صوته “أيها الناس من كان يعبد محمد فإن محمدًا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت”، هذا هو الحب المبصر الواعي الذي لا يخلط بين الإساءة والإحسان إلى المحبوب.
أحب الجماد كما أحب البشر
كانت دائرة الحب عند رسول الله واسعة، فلم يحب رسول الله البشر فقط وأحبوه، لقد تسامى عليه الصلاة والسلام بالحب واتسع قلبه لحب غير البشر، فأحب البلاد وأحب الجماد وأحبه الجماد.. إن صوته الحنون ما زال يتردد فى الوديان المشرفة على مكة.
ثم يجيء الحب الأكبر في حياة رسول الله.. حبه لخديجة بنت خويلد، هذا الحب الذي احتوى يومًا ما لبنة الإسلام الأولى، لقد أحبت خديجة في رسول الله مكارم الأخلاق: العفة والعفاف والتقوى، أحبت فيه الأنفة والشموخ وهي تعرض عليه أن تضاعف له الأجر الذي اتفقت عليه معه بعد أن خرج فى تجارتها فأربحها ربحًا لم تكن تحلم به.
ناصرت السيدة خديجة رسول الله
أدركت السيدة خديجة أن رسول الله ليس كغيره من الرجال إلى أن كان زواجهم، فصدقته حين أفضى إليها بحديث الوحي حين قالت له: أبشر فوالله لا يخزيك الله أبدًا إنك لتصل الرحم وتكسب المعدوم، وتقرى الضيف وتعبر عن ثوابت الحق.

كان حب خديجة عميقًا أصيلًا تخلل له البدن والنفس والروح، فظل وفيا لها بعد موتها بعشرات السنين رغم كل مشاغله فقيل بأنه كان يحتفي بصديقة لها بعد الهجرة في المدينة، إلى حد أن عائشة غارت من اهتمام النبي بذكرها والترحم عليها حتى قالت له “ماذا كنت تراه فيها، ألم تره في أخريات وقد كانت سيدة عجوزًا”، فيرد عليها النبي مدافعًا قائلًا: “لقد صدقتني حين كذبني الناس، وأعطتني حين حرمني الناس، ورزقني الله منها الأولاد والبنات”.