فيتو
رئيس التحرير
عصام كامل

رهانات أنقرة في الصومال.. "ميليتاري ووتش": تركيا تسعى لتعزيز مكاسبها العسكرية في القرن الإفريقي.. وتأمين مصالحها الاقتصادية ومواجهة النفوذ الإسرائيلي في باب المندب “أبرز الأهداف”

تواجد تركي عسكري
تواجد تركي عسكري في الصومال

خلال الفترة القصيرة الماضية، سعت تركيا إلى تعزيز تواجدها في الصومال، في خطوة استهدفت تحقيق مكاسب جيوسياسة متعددة، أهمها ضمان موطيء قدم لأنقرة بمنطقة القرن الإفريقي والممرات البحرية الحيوية، وخاصة باب المندب، ومواجهة المطامع الإسرائيلية في البحر الأحمر.

وبحسب تقرير نشره موقع "ميلتاري ووتش" الأمريكي المتخصص في الشؤون العسكرية، فإن نشر القوات الجوية التركية لثلاث مقاتلات من طراز "إف- 16" في مطار مقديشو الدولي، لا يبتعد عن اهتمام تركيا بصناعة الطاقة والموارد المعدنية في الصومال، وخاصة الألومنيوم والنحاس والحديد والعناصر الأرضية النادرة والتيتانيوم؛ كما أنه لا يمكن فصله –أيضا- عن دعم الحكومة الصومالية في عملياتها ضد الجماعات المتمردة المحلية.

وبحسب التقرير، تعد تركيا أكبر مشغل أجنبي لطائرات "إف-16"، حيث تشكل طائرات الجيل الرابع خفيفة الوزن أسطولها بالكامل بخلاف سرب واحد من مقاتلات "إف-4 إيه"، التي تعود إلى حقبة حرب فيتنام. وعلى الرغم من أن طائرات "إف – 16" التركية ينظر إليها على اعتبار أنها عفا عليها الزمن منذ فترة طويلة، إلا أنه من المتوقع أن تكون تلك الطائرات أكثر من كافية لدعم عمليات مكافحة التمرد التي يقوم بها الجيش الصومالي في ظل إمكانيات الصومال العسكرية المحدودة للغاية.

ووفق "ميلتاري ووتش"، أدت تركيا دورا مركزيا في تأمين أهداف الناتو الأوسع عبر مسارات متعددة، حيث سمح لها موقعها الفريد كعضو ذي أغلبية مسلمة في التحالف بممارسة نفوذها في المناطق ذات الأغلبية المسلمة في إفريقيا وآسيا الوسطى والشرق الأوسط، مما أدى إلى تحويل مسارات القوة في هذه المناطق بما يتماشى مع مصالح الحلف.

قاعدة عسكرية وتعاون دفاعي بين مقديشو وأنقرة

وبحسب تقارير إعلامية، يحظى الوجود العسكري التركي في الصومال بتواجد لافت؛ حيث تدير تركيا أكبر قاعدة تدريب عسكرية لها في الخارج على أطراف مقديشو، وبلغت قدرة هذا المعسكر تدريب نحو 10 آلاف جندي صومالي ضمن مساعي إعادة بناء الجيش الوطني الصومالي.

لم يقتصر الدعم التركي على التدريب، بل شمل تزويد مقديشو بأسلحة نوعية شملت طائرات مسيّة مسلحة ومروحيات هجومية وأخرى للنقل، بموجب اتفاقية دفاعية موقعة بين البلدين في فبراير من عام 2024؛ كما تعهدت أنقرة بمساعدة الصومال في إنشاء قوة بحرية لحماية سواحله.

وبحسب دراسة نشرها مركز "رع للدراسات الاستراتيجية"، تضمن هذه الاتفاقية لتركيا نفوذا عسكريا شبة كامل على الصومال، في مقابل دعم الصومال في جهود مكافحة التهديدات الخارجية والإرهاب والقرصنة والصيد البحري غير القانوني لحماية سواحل الصومال ومياهه الإقليمية، وذلك من خلال قوة عسكرية مشتركة بين البلدين.

أكبر قاعدة عسكرية تركية في إفريقيا

"هذه الاتفاقية لم تكن الأولي بين مقديشو وأنقرة، حيث بدأت أنقرة في التواجد العسكري في الصومال في عام 2017، إذ قامت بإنشاء أول وأكبر قاعدة عسكرية لها في إفريقيا والمتمثلة في معسكر "توركسوم" في مقديشو، وفق مركز "رع للدراسات الاستراتيجية".

وتستهدف هذه القاعدة بالأساس حماية المصالح التركية في الصومال وتعزيز الصناعات العسكرية التركية في المنطقة لتعزيز سوق الأسلحة التركية في إفريقيا، في مقابل دعم الجيش الصومالي في حربه ضد حركة الشباب، لذلك قامت تركيا في 2022 بتنفيذ ضربات بمسيرات ضد حركة الشباب الصومالية، فضلا عن قيامها في إبريل 2023 ببيع مسيرات من طراز بيرقدار "تي بي-2" إلى مقديشو لمحاربة حركة الشباب.

دعم الصومال في مواجهة المساعي الإسرائيلي للسيطرة على القرن الإفريقي

تسعى أنقرة -أيضا- إلى دعم الصومال في مواجهة ما يعرف بـ"أرض الصومال"، خاصة بعد اعتراف رئيس الوزراء الإسرائيلي المطلوب للمثول أمام المحكمة الجنائية بتهم ارتكاب جرائم حرب في غزة، بالإقليم؛ وهو ما اعتبره الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، بأنه "أمر غير قانوني وغير مقبول".

وتستهدف أنقرة من وراء ذلك التصدي للمطامع الإسرائيلية، والتي تسعى إلى الاستيلاء على مناطق تتيح لها بالقرب من ممرات ملاحة حساسة عند خليج عدن وباب المندب في توقيت تعيد فيه المنطقة تعريف أمن البحر الأحمر.

وتنظر سلطات الاحتلال الإسرائيلية إلى القرن الإفريقي نظرة استراتيجية وأمنية؛ حيث تمر ثلث تجارة "إسرائيل" الخارجية مع القارة الآسيوية من هناك، وترى في فرض نفوذها على مضيق باب المندب والبحر الأحمر أهمية كبيرة، خاصة في ظل مواجهة الحوثيين الذين تسببوا بهجماتهم ضدها في تعطيل الملاحة وارتفاع تكلفة الشحن وتعطيل ميناء إيلات، بحسب تقارير إعلامية.

تواجد إسرائيلي لوجيستي قرب مضيق باب المندب

وبحسب تلك التقارير، فإن "إسرائيل" تبحث عن تواجد لوجيستي قرب مضيق باب المندب، وتنظر إلى إقليم أرض الصومال كموقع مثالي حيث يطل مباشرة على خليج عدن وقريب من مضيق باب المندب ومقابل دولة اليمن، وبالتالي من يسيطر على البحر الأحمر يملك ورقة ضغط قوية في أي مفاوضات تخص الملاحة والمنطقة.

كما تسعى سلطات الاحتلال الإسرائيلي إلى إنشاء قاعدة عسكرية إسرائيلية في "أرض الصومال"، باعتبارها موقعًا جيوسياسيًا بالغ الحساسية، يتيح لها التحكم في مدخل البحر الأحمر، لتوجيه رسائل تهديد مباشرة لدول منطقة الشرق الأوسط، لا سيما إيران واليمن، فضلًا عن فرض النفوذ الصهيوني في منطقة القرن الإفريقي، بحسب تقارير إعلامية.

وتشمل منطقة القرن الإفريقي -جغرافيًا- الجزء الممتد على اليابسة والواقع غرب البحر الأحمر وخليج عدن على شكل قرن، ويشمل أربع دول هي الصومال وجيبوتي وإريتريا وإثيوبيا، بينما تتسع المنطقة أكثر عند النظر لها من زاوية سياسية واقتصادية لتشمل كينيا والسودان وجنوب السودان وأوغندا.