فيتو
رئيس التحرير
عصام كامل

المترو يضع صورة الأميرة تتر الحجازية على جدارية بإحدى محطاته.. مدرستها الأثرية تعاني الانهيار وتسقط من حسابات المسئولين.. ودعوات لإنقاذ آثار القاهرة الفاطمية من الاندثار (فيديو وصور)

صورة الأميرة تتر
صورة الأميرة تتر الحجازية بمحطة باب الشعرية

في قلب القاهرة الفاطمية، وعلى بعد أمتار من زحام باب الشعرية، ترفع الدولة اليوم صورة امرأة مملوكية على جدران محطة مترو حديثة، بينما تترك أثرها الحقيقي خلفها يتهالك في صمت. الأميرة تتر الحجازية، ابنة السلطان الناصر محمد بن قلاوون، تحولت من مؤسسة تعليمية واجتماعية كبرى في عصرها إلى اسم رمزي معلّق على الحائط، بينما مدرستها ومسجدها ومجموعتها المعمارية تعاني الإهمال والنسيان.

لم تكن تتر الحجازية أميرة بالمعنى البروتوكولي فقط، بل كانت فاعلة حقيقية في المجال العام المملوكي، حين كان الوقف أداة دولة موازية، والتعليم مشروعًا سياسيًا بامتياز. ابنة السلطان، وزوجة الأمير بكتمر الحجازي، استخدمت مكانتها ونفوذها لتبني واحدة من أهم المجموعات التعليمية-الدينية في القاهرة في القرن الثامن الهجري، في منطقة كانت آنذاك قلبًا نابضًا بالعلم والحياة.

مدرسة تُعلّم وتُطعم وتكسو

أسست الأميرة مدرسة الحجازية كمنظومة متكاملة، لا كفصل دراسي مغلق. التعليم فيها لم يكن ترفًا، بل حقًا مكفولًا بالوقف. درست فيها المذاهب الفقهية، وفتح المسجد الملحق بها للصلاة والخطابة، واحتوت على خزانة كتب، وسكن للطلاب، وقبة دفنت فيها الأميرة نفسها، في دلالة واضحة على ارتباط الاسم بالمكان والرسالة.

الأهم أن المدرسة لم تفصل بين العلم والعدالة الاجتماعية. فبحسب نصوص الوقف، خُصص للأيتام والفقراء طعام يومي منتظم، وأرغفة خبز، وكسوة صيفية وشتوية، ومبالغ مالية رمزية. في زمن لم تعرف فيه الدولة مفهوم “الضمان الاجتماعي”، كانت تتر الحجازية تطبّقه فعليًا عبر الوقف.

هنا يظهر تأثيرها الحقيقي: لم تكن راعية علم فقط، بل صانعة نموذج اجتماعي متقدم بمقاييس عصره.

كيف سقطت المنظومة؟

مع نهاية العصر المملوكي، بدأت المدرسة تفقد وظيفتها تدريجيًا. الأوقاف أُسيء إدارتها، والمجموعة المعمارية تعرضت للاستيلاء والتحوير. في فترات لاحقة، تحولت أجزاء من المكان إلى استخدامات بعيدة تمامًا عن غايته الأصلية، حتى وصل الأمر إلى تحويله في بعض العصور إلى مقر احتجاز وعقاب.

ومع دخول العصر الحديث، لم يُسترد الموقع بوصفه كيانًا تاريخيًا متكاملًا، بل تُرك على هامش الاهتمام، محاصرًا بالورش والعشوائيات، بلا لافتة تعريفية واضحة، ولا مشروع ترميم جاد يعيد له اعتباره.

تأثيرها في عصرها… ولماذا تُستدعى اليوم؟

تتر الحجازية كانت نموذجًا للمرأة ذات التأثير العام في دولة يحكمها الرجال. لم تمارس السياسة عبر المنصب، بل عبر الوقف، والتعليم، وإدارة الموارد. ولهذا تعود صورتها اليوم في خطاب الدولة الثقافي، خاصة في محطات المترو، باعتبارها رمزًا للمرأة المصرية المؤثرة عبر التاريخ.

لكن المفارقة الصارخة أن هذا الاستدعاء رمزي فقط. صورة مصممة بعناية، وسيرة مختزلة على لوحة، بينما الأصل مهمل. الدولة تكرّم الاسم وتغفل الجسد، تحتفي بالرمز وتترك المكان ينهار.

لماذا المترو وليس المدرسة؟

لأن المترو مساحة رؤية يومية، بينما المدرسة تقع في منطقة مُهمّشة بصريًا وسياحيًا. لأن الرمز أسهل من الترميم، والصورة أسرع من مشروع إنقاذ متكامل. ولأن التعامل مع التراث غالبًا ما يُختزل في “تمثيل” لا في “إحياء”.

مدرسة وجامع تتر الحجازية لا تحتاجان إلى احتفال، بل إلى قرار إدراج جاد في خريطة التراث، ترميم علمي، إعادة توظيف ثقافي، وربط الموقع بسردية المدينة بدل عزله عنها.

ويأتي ذلك وسط دعوات للاهتمام بتراث وآثار القاهرة الفاطمية التي تعاني من الانهيار.