قصص إنسانية تكشف محنة مرضى الهيموفيليا.. رحلة البحث عن حقنة بـ 20 ألف جنيه.. ومطالب بمساواة مرضى نفقة الدولة بالتأمين الصحي في توفير العلاج الوقائي
يواجه مرضى الهيموفيليا في مصر معاناة تتجدد مع كل نزيف يتعرض له المريض، فمرض الهيموفيليا أحد أشهر أمراض النزف وأكثرها انتشارًا، يتعرض فيه المريض إلى نزيف مستمر في كل أعضاء الجسم، في ظل نقص عوامل التجلط وارتفاع تكلفة العلاج، وغياب لائحة علاجية عادلة للجميع، فالأزمة، بحسب شهادات أهالي المرضى والأطباء، ليست طارئة، بل ممتدة منذ سنوات، يدفع ثمنها الأطفال منذ عامهم الأول، حين يتحول الحبو والخطوات الأولى للأطفال إلى خطر يهدد حياتهم.
خلال الأيام الأخيرة، تعرض طفلان إلى مضاعفات خطيرة بسبب النزف وعدم وجود حقن الفاكتور لوقف النزيف، فضلًا عن رفض المستشفيات استقبال هذين الطفلين لعدم وجود علاج لهما.
شهادات مؤلمة للآباء الذين فقد أبناؤهم القدرة على الحركة أو التعليم، وأطباء يؤكدون أن غياب العلاج الوقائي وتراجع توافر الفاكتور يحول المرض إلى إعاقة دائمة أو تهديد مباشر للحياة.
ويواجه المرضى غير الخاضعين للتأمين الصحي أزمات في توفير حقن الفاكتور، ويلجأون للتبرعات للمساعدة في شراء الحقن باهظة الثمن، ما يطرح تساؤلات: هل حق الحياة لمرضى الهيموفيليا معلق بتوافر التبرعات، وأين دور الحكومة في توفير العلاج لهم مجانًا؟
فيتو تسلط الضوء على معاناة مرضى الهيموفيليا، والتقت أسر المرضى للكشف عن معاناتهم مع المرض.
بدوره قال والد طفلين مصابين بمرض الهيموفيليا لـ"فيتو" إن معاناة أسر مرضى نقص عوامل التجلط ليست جديدة.
وأوضح أن لديه ولدين يعانيان من الهيموفيليا، أحدهما يبلغ من العمر 21 عامًا، والآخر 10 سنوات.
وأكد الأب أن اكتشاف المرض يبدأ في سن مبكرة جدًا، حيث تظهر أولى العلامات مع بداية حبو الطفل، مع ظهور تجمعات دموية واضحة في الركبتين والساقين واليدين نتيجة الاحتكاك بالأرض.
وأضاف أن العلامة الثانية الخطيرة تظهر عند إجراء الطهارة، حيث يعاني الطفل من نزيف شديد وغير طبيعي، وهو ما دفع الأسرة للبحث والتعرف على طبيعة مرض الهيموفيليا، ومحاولة التعايش معه.
وعن رحلة العلاج، أكد الأب أنه قبل 20 عامًا لم يكن هناك أي توافر لعلاج الفاكتور، وكان الاعتماد فقط على بلازما الدم، وبالتحديد البلازما الكرايو، مشيرًا إلى أنهم يحصلون على الفاكتور من خلال المنح والتبرعات.
الأزمة الحقيقية تظهر عند نقص الفاكتور
وأضاف أن الأزمة الحقيقية تظهر عند نقص الفاكتور، حيث يتعطل الأبناء عن الدراسة تمامًا بسبب النزيف التلقائي في المفاصل، موضحًا أن غياب العلاج يمنع الطفل من الحركة.
وأكد أن ابنه الأصغر، البالغ من العمر 10 سنوات، من ذوي الاحتياجات الخاصة، ولم يذهب إلى المدرسة، وهو ما يحرمه من التأمين الصحي.
وأشار إلى أن العلاج على نفقة الدولة لا يوفر حقنة الفاكتور 9، موضحًا أن سعر الحقنة الواحدة من "فاكتور 9" يبلغ 20 ألفًا و472 جنيهًا، مؤكدًا أنهم اضطروا لشراء 14 حقنة استعدادًا لإجراء جراحة في المخ للطفل.
وأكد الأب أن أي طفل مصاب بالهيموفيليا يحتاج في اليوم الأول من أي عملية جراحية إلى ما لا يقل عن 10 حقن، ثم يستمر العلاج بجرعات منتظمة كل 6 ساعات في اليوم التالي، ثم كل 12 ساعة، وصولًا إلى جرعة يومية واحدة بعد عدة أيام، لمنع حدوث نزيف قد يودي بحياة الطفل.
ولفت إلى أنه تقدم بشكوى رسمية إلى مجلس الوزراء، على أمل التدخل العاجل لتوفير العلاج، إلا أنه فوجئ بتلقي اتصال يفيده بأن الحقنة متوفرة في صيدلية الإسعاف، وعليه التوجه لشرائها بنفسه.
وقال الأب بأسى: "أنا بالفعل اشتريتها من صيدلية الإسعاف، لكن فلوسي خلصت، واللي مش معاه يشتري الحقنة يبقى مصيره الموت".
وأكد أن الطفل يحتاج إلى هذا الدواء بشكل دائم، موضحًا أن أي نزيف مفاجئ في أي وقت يتطلب التدخل الفوري بالحقنة نفسها.
وكشف أن ابنه تعرض لنزيف في المخ دون ظهور أعراض خارجية واضحة، وهو ما تسبب في تأخر اكتشاف الحالة، إلى أن ساءت حالته الصحية.
وأوضح أن الأسرة اضطرت لنقل الطفل إلى مستشفى خاص، وتكلفة الإقامة اليومية تتراوح بين 15 و20 ألف جنيه، بخلاف تكاليف العمليات الجراحية، مضيفًا: "لو معاك جبل فلوس هيخلص".
أقسام الطوارئ في المستشفيات الحكومية لا يتوفر بها أي من عوامل التجلط
وأكد الأب أن أقسام الطوارئ في المستشفيات الحكومية لا يتوفر بها أي من عوامل التجلط، سواء فاكتور 7 أو 8 أو 9، مشددًا على أن هذه المعاناة لا تخص أسرًا بعينها، بل تمتد إلى جميع أسر مرضى الهيموفيليا في مختلف محافظات الجمهورية.
أكد على أن ما تعانيه أسر مرضى الهيموفيليا هو معاناة جماعية، مطالبًا بحل هذه الأزمة.
وشدد على ضرورة ألا يكون بقاء الأطفال على قيد الحياة مرهونًا بالتبرعات أو القدرة المادية للأسر.
فيما أكدت الدكتورة ماجدة رخا، رئيس جمعية أصدقاء مرضى النزف، أن أكثر أنواع الهيموفيليا شيوعًا في مصر هما هيموفيليا أ وهيموفيليا ب، إلى جانب أنواع أخرى أقل انتشارًا، من بينها الحالات التي تعاني نقص عوامل تخثر نادرة مثل فاكتور 7، أو الحالات التي تكون أجسامًا مضادة ضد عوامل التخثر الأساسية، وهو ما يستدعي علاجات خاصة.
وأشارت لـ"فيتو" إلى أن المرضى الأقل من 18 عامًا يتبعون منظومة التأمين الصحي، بينما يحصل المرضى الأكبر سنًا على العلاج من خلال قرارات العلاج على نفقة الدولة، إلا أن هناك فئة من المرضى ليس لديهم تأمين صحي أو علاج على نفقة الدولة، وهو ما يعقد من حصولهم على العلاج عند التعرض للنزف.
وأوضحت أن المرضى الخاضعين للتأمين الصحي يتم صرف العلاج لهم عند حدوث نزيف أو العلاج الوقائي.
التأمين الصحي يوفر العلاج الوقائي لمرضى الهيموفيليا
وأكدت أن التأمين الصحي يوفر العلاج الوقائي لمرضى الهيموفيليا، حيث يحصل المريض على جرعات منتظمة مرتين أو ثلاث مرات أسبوعيًا وفقًا لعمره وشدة المرض ودرجة النزف، وهو ما يحميه بدرجة كبيرة من التعرض لنوبات النزف وتلف المفاصل.
وأكدت أن المرضى الخاضعين لقرارات العلاج على نفقة الدولة يواجهون تحديات، أبرزها عدم حصولهم على علاج وقائي، ما يجعلهم عرضة للنزف في أي وقت، فضلًا عن غياب مراكز ثابتة لتقديم العلاج، وعدم توافر عوامل التخثر الأساسية.
وأضافت أن هذه الفئة تعاني بشكل خاص عند حدوث نزيف حاد، لأن المريض ليس على دراية بالمكان الذي يتوجه إليه للحصول على العلاج.
وأوضحت أن جمعية أصدقاء مرضى النزف تحاول سد الفجوة العلاجية من خلال المنح التي يقدمها الاتحاد العالمي للهيموفيليا.
وأشارت إلى أن هذه المنح يتم توفيرها حسب الكميات المتاحة من عوامل التخثر، ويتم توجيهها للحالات الحرجة، خاصة المرضى الذين يحتاجون إلى تدخلات جراحية أو عمليات تصحيحية للمفاصل، نتيجة تعرضهم المتكرر لنزف المفاصل الذي يؤدي إلى تلفها.
وأكدت أن الكثير من مرضى الهيموفيليا، خاصة من الفئة العمرية الأكبر، يعانون إعاقات حركية نتيجة النزف المتكرر في المفاصل، ما يتطلب عمليات جراحية تحتاج إلى كميات ضخمة من عوامل التخثر.
وشددت الدكتورة ماجدة رخا على أن هذه المنح لا يمكن اعتبارها حلًا دائمًا، إذ إن مسؤولية توفير العلاج تقع بالأساس على الجهات الرسمية.
وأوضحت أن مرضى التأمين الصحي يعانون مشكلات أقل مقارنة بمرضى نفقة الدولة، حيث إن الأطفال أقل من 18 عامًا الذين يحصلون على علاج وقائي نادرًا ما يتعرضون لنزف شديد أو تلف في المفاصل، وتكمن مشكلاتهم الأساسية عند الحاجة لإجراء عمليات جراحية تتطلب كميات كبيرة من العلاج.
القرارات المخصصة لهم لا تغطي التكلفة الحقيقية للعلاج
أما عن مرضى العلاج على نفقة الدولة، فأشارت إلى أن القرارات المخصصة لهم لا تغطي التكلفة الحقيقية للعلاج، خاصة في ظل الارتفاع الكبير في أسعار عوامل التخثر.
وضربت مثالًا بدواء يستخدم في الحالات التي تكون أجساما مضادة ضد عوامل التخثر، موضحة أن سعر الحقنة الواحدة يصل إلى 20,400 جنيه، وهو مبلغ يفوق قدرة معظم المرضى.
وأضافت أن الأمر لا يقتصر على هذا العقار فقط، بل إن أسعار فاكتور 8 وفاكتور 9 مرتفعة، ما يجعل المرضى يواجهون صعوبات بالغة في الحصول على العلاج.
وأوضحت أن المشكلة تزيد بشكل أكبر في المحافظات، حيث تعاني بعض الفرق الطبية من نقص الوعي ببروتوكولات علاج الهيموفيليا، مؤكدة أن حساب جرعة العلاج يتطلب معرفة دقيقة تعتمد على وزن المريض وشدة النزف، وهو ما يستدعي تدريبًا وتوعية مستمرة للفرق الطبية، إلى جانب توعية المرضى وأسرهم.
وطالبت الدكتورة ماجدة رخا بضرورة المساواة بين مرضى العلاج على نفقة الدولة ومرضى التأمين الصحي، تنفيذًا للدستور، من خلال توفير العلاج الوقائي للجميع، لما له من دور أساسي في منع النزف وحماية المرضى من الإعاقة.
وأكدت أن ذلك يتطلب ميزانيات ضخمة، خاصة للمرضى الكبار الذين يحتاجون إلى كميات أكبر من العلاج.
وأوضحت أن غياب التشخيص المبكر يمثل عبئًا كبيرًا، خاصة في المحافظات، حيث يضطر المرضى إلى التوجه للمعامل المركزية، ما يزيد من معاناتهم ويعرضهم لمضاعفات النزف.
أكدت أن مثل هذه الحالات تسلط الضوء على صعوبات منظومة علاج مرضى الهيموفيليا، مؤكدة أن العلاج حق أصيل للمريض.
وفيما يتعلق بارتفاع أسعار حقن الفاكتور، أوضحت أن ذلك يرجع إلى عدة أسباب، منها أن هذه الأدوية مرتفعة التكلفة عالميًا، سواء من حيث عمليات التصنيع أو المواد الخام.
وأضافت أن مصادر هذه الحقن تنقسم إلى نوعين رئيسيين؛ الأول مستخلص من البلازما البشرية، والثاني يتم تصنيعه باستخدام تكنولوجيا الهندسة الوراثية، وكلاهما يحتاج إلى عمليات تصنيع معقدة وتكلفة مرتفعة.
وأشارت إلى أن الدولة تسير حاليًا في اتجاه مهم لتصنيع مشتقات البلازما محليًا، وهو مشروع واعد من شأنه حل جزء كبير من أزمات نقص عوامل التجلط، وهو يعتمد على تجميع كميات ضخمة من البلازما، تمر بعدة مراحل، وفصل مكونات البلازما لاستخراج الفاكتور والألبومين، الذي يمثل احتياجًا أساسيًا لمرضى الكبد والكلى.
وأضافت أن المشروع في مراحله الأولى يعتمد على إرسال البلازما للخارج للتصنيع، ثم إعادة استيرادها في صورة مشتقات جاهزة، إلا أن الاتجاه الحالي هو توطين الصناعة بالكامل داخل مصر.
ولفتت إلى أن المشروع لن يقضي على جميع التحديات، خاصة أن التصنيع المحلي يركز حاليًا على بعض الفاكتور مثل فاكتور 8، الذي يمثل النسبة الأكبر من المرضى، في حين ما زالت هناك احتياجات لفاكتور 9، وفاكتور 7، وفاكتور 13، بالإضافة إلى مرضى "فون فيلبراند"، الذي تصاب به نسبة كبيرة من الفتيات، وكذلك المرضى الذين لديهم أجسام مضادة ولا تنجح معهم المنتجات المستخلصة من البلازما.
وعن التعامل مع حالات الطوارئ، شددت على أن مريض الهيموفيليا في حالة النزف يجب أن يحصل على العلاج فورًا دون انتظار أي إجراءات إدارية، طالما أن الفاكتور متوافر بالمستشفى.