الأحد 27 سبتمبر 2020...10 صفر 1442 الجريدة الورقية

ليديا يؤانس تكتب..هل أصحاب الياقات البيضاء أفضل؟

صحافة المواطن
ليديا يؤانس

الكاتب


منذ فترة قصيرة، أصيبت بمرض صعب شوية، كانت تجربة قاسية بِكُل المقاييس، كان لابُد مِنْ اتخاذ قرارات، كان لابُد مِنْ أن يعلو صوتي فوق كل الأصوات، كان لابُد مِنْ أن أقول كلمتي أنا، وليس كلمة الأحباء أو غير الأحباء.
اضافة اعلان

في وسط هذا الضباب والرؤية غير الواضحة، في وسط هذا الألم النفسي والجُسماني، جاءني الأب الكاهن الراعي للمنطقة التي نعيش بها، سألني: هل هُناك ما يمنع أن أذهب معك لِمُقابلة الطبيب المُعالج؟.. مافيش مانع يا أبونا!

حضر أبونا معي مُقابلة الطبيب، وللعلم بالشيء هذا الأب الكاهن في الأصل كان طبيبًا، جلس يُراقب الحوار بيني وبين الطبيب، تبرعت بالقول: "أبونا أنا قراري كذا".. رد: "هذا قرارك، وأنا هُنا ليس لكي أقرر بالنيابة عنك، أنا هُنا لكي أُعضدك روحيًا وإنسانيًا، وليس لاتخذ قرارات طبية، لأنني أنا حاليا لستُ طبيبًا بل راعيًا"!

العِمة السوداء ليست شيئًا يُستهان به.. أنها تستمِدْ أهميتها مِنْ رمزيتها لتبعية المسيح.
العِمة السوداء تعني أن هذا الشخص الذي يرتديها.. هُوّ شخص مُكرس لخدمة المسيح.
العِمة السوداء تختلف في حجمها طِبقًا لحجم المسئوليات الكنسية المُلقاة على الخادم، وتختلف في السُلطات الممنوحة له أيضًا.
العِمة السوداء لها بريق.. يشتهي ارتداءوها الكثيرون مِنْ الرجال، حيث إنها تُعطي للشخص امتيازًا مِنْ نوع خاص.

من الطريف أن النساء اللآتي، يلدن صبيان، ويذهبن لتعميدهم، يحرصن على أن يرتدي الطفل زيًا كهنوتيًا، وكل واحدة وأمنياتها وطموحاتها، التي تتمنى أن يُصبح ابنها في يوم ما بطريركًا أو أسقفًا أو كاهنًا، تُلبِسه زيًا يتناسب مع شهوتها، أنها تأمل في يوم ما أن ترى العِمة السوداء فوق رأس ابنها!


بالنسبة للغالبية العُظمى مِنْ الأقباط، نشأوا على بعض المفاهيم، وإن كان بعضها قد لا يتسم مع التعاليم الكتابية، حيث إن الكتاب يُعلمنا، أننا أحرار، وأن الله أعطانا روح التمييز، وأعطانا الروح القدس، يعمل فينا وبِنا، وهذا الكلام يتساوى فيه، أصحاب الياقات البيضاء، أقصُد العلمانيين، مع أصحاب الياقات السوداء، أقصد أصحاب العِمْمْ السوداء.

تجِدهُم يقولون لك، اوعي تلِمس ثوب الكاهن.. بمعنى لا تتكلم عليه، أو تنتقِد تصرفاته، فذلك قد يُعرضك لغضب السماء!

تجِدهُم يقولون لك، وهذا على لسان أصحاب العِمْمْ السوداء: ابن الطاعة تَحِلْ عليه البركة.. بمعنى ألا تُناقش، وتقول آمين!

في يوم ما، وجدت أخت مِنْ الكنيسة مُنتظرة أبونا، تُريد أن تتكلم معه، اعتقدت أنها تُريد أن تعترِفْ، أو عندها مُشكلة، لا يستطيع حلها إلا الكاهن.. مش حتصدقوا.. إنها كانت عايزه تشتري مروحة، وعايزه تسأل أبونا عن الماركة التي تشتريها!

واحدة ثانية، على مستوى علمي واجتماعي مُرتفع جِدًا، وكُنا في جلسة مع نوعيات مُختلفة مِنْ الناس، ما بين المصري والأجنبي، وأيضا المُختلفين في العقيدة.. أدلت بتصريح خطير جِدًا قالت: "لو أبونا قال لي ارمِ نفسك تحت قطار سأرمي نفسي بدون حتى أن أسأله"!

شخص يذهب يسأل واحدًا من أصحاب العِمْمْ السوداء: لِمَنْ أُعطي العشور بتاعتي؟

في الغالب صاحب العمة السوداء، سيوجهه إلى أن يضع هذه المبالغ في الكنيسة، والكنيسة تتصرف!

المنطق ليس سليمًا، وليس عدم ثقة في الكنيسة، ولكن لماذا لا يكون لك تفكيرك المُستقِل؟
ربما يكون عندك أحد أفراد العائلة، أو أحد الجيران، أو الأصدقاء، وأنت تعلم جيدًا ظروفه المالية، وتعرف أنه في احتياج للمُساعدة، ربما من عِزة نفسه يُحرج في أن يسأل الكنيسة، وربما لا يكون الشخص مسيحيًا أصلًا، ومُحتاج للمساعدة، وفي كل هذه الحالات ربما صاحب العمة السوداء أو الكنيسة لا يعلمون شيئا عن هؤلاء المحتاجين!

لماذا تلغي فِكرك وشخصيتك، وتجعل شخصًا آخر، حتى ولو كان من أصحاب العِمْمْ السوداء، يُقرر بالنيابة عنك؟

كل هذه الأمور قد تدخُل في إطار العلاقة الشخصية بين المؤمنين وأصحاب العِمْمْ السوداء، ولكن قد تزيد الأمور تعقيدًا عندما تتسع الدائرة ويكون هُناك قرارات عامة، سياسية أو دينية أو اجتماعية، يجب اتخاذها، وفي نفس الوقت تجد الأقباط واقفين مكتوفي الأيدي، مُنتظرين أن البطرك أو المَجمع المُقدس أو الأساقفة أو الكهنة يقررون!

بالتأكيد مُعظم الأكليروس (رجال الدين المسيحي) يحملون أعلى الشهادات الدراسية وفي مختلف المجالات، ولكن الآن اختصاصاتهم وسُلطاتهم، تتركز حول رعاية الكنيسة وشعبها، والبت في المسائل الروحية والدينية، أكثر من الانغماس في ما هو مطروح على الساحة من سياسات.

رغبة المسيح بالنسبة لكنيسته وللخدمة، ما قاله لبطرس الرسول خادم الكنيسة: "اعطِ ما لقيصر لقيصر وما لله لله".

المسيح هُنا، لا يتكلم عن المسائل المادية فقط، ولكنه أيضًا لا يُريد الخلط، أنهُ يُريد أن كل فرد في الكنيسة يكون له عمله واختصاصه.

المسيح يُريد أن يكون لأصحاب الياقات البيضاء، أيضًا دورهم في المُجتمع والكنيسة، يُريد مُشاركتهم الحياة السياسية والاجتماعية مِثلهُم مِثل باقي المواطنين، يُريدهم أن يكونوا أصحاب قرارات وليسوا مُنفذين قرارات!

المسيح يُريد أن أصحاب العِمْمْ السوداء، يكون لهُم دورهم المُهم والحيوي، في قيادة ورعاية الكنيسة، وإصدار القرارات المهمة الدينية والروحية، وفي نفس الوقت إعطاء أصحاب الياقات البيضاء، دورهم في المشاركة الوطنية، واتخاذ القرارات اللازمة على حسب إرشادات، وموافقة أصحاب العِمْمْ السوداء.

الكنيسة ليست فقط العِمْمْ السوداء، أو الياقات السوداء، ولكن أيضًا الياقات البيضاء.

الكنيسة غنية بأولادها أصحاب الياقات البيضاء، وخبراتهم مُتنوعة في كافة المجالات، بها السياسيون والمُحامون، وأعضاء مجلس النواب، والكُتاب والمُفكرون والحُقوقيون وغالبيتهُم عندهُم القُدرة على المُناقشة والحوار واتخاذ القرارات.

وفي النهاية أصحاب الياقات البيضاء يعملون في إطار ما تُقرة الكنيسة، ويلتزمون بالرجوع إلى البت في القرارات طبقا لما تراه القيادة العُليا للكنيسة، لأن المصلحة واحدة، وليس هُناك تعارض بين أصحاب الياقات البيضاء وأصحاب العِمْمْ السوداء!

ولذا قد يكون أصحاب الياقات البيضاء أفضل في بعض المهام وخصوصًا السياسية والحقوقية ومناقشة القوانين.

معذرة سيدي البابا، ليس إقلالًا مِنْ قدركم أو دوركم، على الساحة السياسية أو الدولية، ولست أتدخل في عملكم وكيفية إدارته، ولكنني أريد التنويه إلى أنه لديكُم أبناء مِنْ أصحاب الياقات البيضاء، في إمكانكُم استخدام إمكانياتهم وطاقاتهم لإنجاز ما تريدون تحقيقه.

نعم، قداستكُم يجب أن تقوم بالمُشاركة السياسية والوطنية والاجتماعية، مع كبار مسئولي الدولة، فتحضر اجتماع عام، أو تحضر مناسبة ما مع سيادة الرئيس، أو المُشاركة في احتفالية وطنية، أو القيام بواجب ديني أو وطني أو اجتماعي.

نعم، قداستكم تحضر للمُشاركة السياسية في اللقاءات العامة داخليًا وخارجيًا، ولكن ليس لمُناقشة بنود هامة في قانون، يُمكن التلاعب فيها بالألفاظ أو باستخدام أساليب ملتوية للف والدوران حول القانون لكي يحقق مآرب أخرى، في هذه الحالة من الأفضل اختيار أشخاص من أولادك من شعب الكنيسة، ذي خبرة سواء سياسية أو قانونية؛ لأداء هذه المهمة، ثم عرض النتائج على قداستكم وعلى الكنيسة.

في مثل هذه الحالات، سيكون أصحاب الياقات البيضاء هُم الأفضل في أداء مثل هذه المهام.

سيدي قداسة البابا تواضروس، وآبائي قادة الكنيسة، أعلم جيدًا وطنيتكم ومحبتكم لمصر، وأعلم أيضًا محبتكم وغيرتكم على شعب المسيح وخاصة المصريين، كنت أود أن ترفضوا تمامًا هذا القانون الذي يسمى قانون بناء الكنائس، هذا القانون الذي جر المسيحيين المصريين في مُنحدر سيئ، جرهم في سكة الندامة!

عندما يخرج المسيحيون من تحت العباءة المصرية، ويسمحون للمُغرضين بأن يعزلوهم بتصنيفهم تحت عباءة الهوية المسيحية، فهذه هي الكارثة الكبرى!

نعم، المسيحيون يفخرون بمسيحيتهم وبالصليب، ولكن يجب أن يكون المُسمى واحدًا للجميع وهو "مصري"، بغض النظر عن الهوية الدينية، ولكن عندما يستخدمون معكم الهوية الدينية، سوف يكون من السهل اصطيادكم، والقضاء عليكم!

لأن كل من يعيش فوق تراب مصر ويخضع للسيادة المصرية، يجب أن يتساوى الجميع في أنهم مصريون!
ما يسري على المُسلم من حقوق وواجبات يسري على المسيحي واليهودي والبهائي والدرزي والملحد وأي عقيدة أخرى !

أما الهوية العقائدية فيجب أن تكون داخل دور العبادة، وكل واحد حسب العقيدة التي يتبعها، وليس معنى ذلك أن تصدر الدولة دور عبادة لكل طائفة، بل يجب أن يكون بناء دور العبادة موحدًا، حتى لا تطفو على السطح مُناقشات غبية!
حيت إن الصليب بيجنن المجانين!
حيث إن نِجمة اليهود السُداسية، طلعت النجوم في عز الظهر على مَنْ لا يعتقدون إلا فيما يعتقدون!

في النهاية، أعزائي المسيحيين، يجب عليكُمْ أن ترفضوا أي تصنيفات، قد تدعو إلى عزلكُم أو تقسيمكُم أو وصفكُم بأنكُم أقلية، فأنتُم تحت السيادة المصرية، مصريين، ومسيحيتكُم، مارسوها داخل الكنيسة، ولكن على مُستوى الدولة تمسكوا بمصريتكم حتى لا تضيع هويتكم وحقوقكُم!

وعلى ما أعتقد، أن قيام أصحاب الياقات البيضاء، بعمل بعض المهام السياسية أو الحقوقية أو البرلمانية المهمة، لا يُقلل إطلاقًا مِنْ أهمية ودور أصحاب العِمْمْ السوداء، لأنهُم في النهاية يعملون تحت قيادة وتوجيهات العِمْمْ السوداء!