الجمعة 7 أغسطس 2020...17 ذو الحجة 1441 الجريدة الورقية

ليديا يؤانس تكتب.. ليه العربية؟!

صحافة المواطن
ليديا يؤانس

الكاتب


لستُ أتحدث هُنا عن العربية أي السيارة.
لستُ أتحدث هُنا عن العربية أي اللُغة العربية.
اضافة اعلان
ولكن سا أتحدث هُنا عن..

كُنتُ في جلسة بأحد المقاهي، مع مجموعة مِنْ الأصدقاء، خليط بين العرب والأجانب.

حضرت رغدة، أخت حبيبة مِنْ لُبنان لتُشاركنا الجلسة، ومُجرد ما انتهت مِنْ تعريف نفسها وأنها لبُنانية، نطق ستيف الإيطالي الجنسية وقال لها: "يعني عربية أيضًا!".

تَلًون وجه رغدة الأشقر بالحُمرة، واحتدت في لهجتها قائلة: "اللبنانيين ليسوا عربًا!".
وتَشَجع سَرمَد وقال: "والعراقيين ليسوا عربًا!".
وقالت ميريت: "والسوريين ليسوا عربًا!".
وضحكت أنا وقلت: "والمصريين ليسوا عربًا!".

هب ستيف واقِفًا يدُق المنضدة بيده قائلًا: "لما أنتُم كُلكُم لستُم عربًا، يبقي أنا اللي عربي!".
طيب وإنت يا ست ليديا، لما اسم بلدك "جمهورية مصر العربية"، تبقي عربية ولا.. لا، يا متعلمة يا بتاعة المدارس!

ضجت المجموعة بالضحك ولكن ستيف لم يتنازل عن حقه في معرفة هذه المُعضلة!

قال جميع الحضور: نحن مشرقيون، نحن روميون وسريان وكلدانين وأشوريين وأقباط، نحن أهل المشرق سُكانه الأصليين، نحن لسنا عربًا، وكفي إغتصابًا وتزويرًا للتاريخ.

لستُ أدري ما الحِكمة في أن تكون أسماء بعض دول الشرق الأوسط مُذيلة بكلمة "العربية"؟!

فالهوية ليست لها علاقة باللُغة، وليست لها علاقة بالعقيدة، وأيضًا ليست لها علاقة بالاستعمار والغزوات أو الفتوحات!

الشعب الأمريكي يتحدث الإنجليزية، واسم بلدهم الولايات المُتحدة الأمريكية وليس الولايات المتحدة الإنجليزية.
وأيضًا كل الدول الناطقة بالإنجليزية لا تذيل أسماء بلادهم بكلمة "الإنجليزية"!

تركيا وإيران وأفغانستان وباكستان يُعتبرون دولًا إسلامية، والعربية لغة القرآن الذي يؤمن به المسلمون، وبالرغم من ذلك لم تُذيل أسماء بلادهم بكلمة "العربية"!

قامت دول على دول، وأحتلت دول دولًا أخرى، واستعمرت شعوب شعوبًا أخرى، ولكن بقيت أسماء الدول التي تم إستعمارها كما هي ولم تُذيل باسم الدولة المُستعمرة.
احتلت فرنسا مصر في فترة من الفترات، ولم تُسمي مصر باسم "مصر الفرنسية"، لأن الهوية ليس لها علاقة بهوية البلد التي قامت بالاحتلال!

ولكن بنسبة كبيرة جدًا مُعظم دول العالم، تتحدد هويتهُم بالنسبة للأرض التي يقطُنون عليها، فمثلًا النمساويين نسبة إلى النمسا، والهولنديين إلى هولندا، والفرنسيين إلى فرنسا، والمصريين إلى مصر.

ما يُهمني هُنا..
لماذا أُطلق على مصر اسم "مصر العربية"؟
ومتي أُطلق على مصر اسم "مصر العربية"؟
ومَنْ الذي سَيقوم باتخاذ القرار الجرئ بإزالة كلمة "العربية" ووضع الاسم الصحيح ل"مصر"؟

أنه لعار علينا كمصريين، أن نقبل المهانة على بلدنا ومصريتنا، بأن نلتحف بكلمة "العربية" التي ضرها أكثر مِنْ نفعها.
مصر الحضارة، مصر التاريخ، مصر الفرعونية، كلها كلمات مُضيئة، وليست أسماء تطلق على دولة مصر، كلها كلمات تدعو للفخر لأنها تتحدث عن قيمة حقيقية قد يفهمها العالم ويحسها.. ولكن ما القيمة من إضافة كلمة "العربية" لاسم مصر؟!

مصر دولة عابرة للقارات، يحدها من الشمال البحر الأبيض المتوسط، يحدها شرقًا البحر الأحمر، يحدها في الشمال الشرقي منطقة فلسطين (إسرائيل وقطاع غزة)، يحدها من الغرب ليبيا، ويحدها من الجنوب السودان.

مصر بها أقدم الحضارات على وجه الأرض، وقد شهدت مصر القديمة تطورًا في مُعظم المجالات وعلي الأخص في الطب والفلك والهندسة، وبها نحو ثُلث آثار العالم.

مصر أم الدنيا، وكما يؤكد الرئيس السيسي وحتبقي قد الدنيا، هل يجوز أن نَحِدْ مِنْ عالميتها ونحصُرها في كلمة "العربية" التي لا تُساوي بالنسبة للعالم الخارجي أكثر مِنْ الجِمْال والإبل والصحراء والجِلباب والعُقال!

تَمْ ذِكر اسم "مصر" في الديانات الإبراهيمية الثلاثة، ولم تُذكر مُذيلة بكلمة "العربية" لأن مصر ليست "عربية".

لقد عرف العرب "مصر" باسم "مصر".
أما الفراعنة عرفوا "مصر" باسم "كيمت" وتعني الأرض السوداء، كناية عن أرض وادي النيل السوداء.
وفي العهد القديم (التوراة) أعطي ل"مصر" الاسم العبري "مِصرايم".
وقد عرفت "مصر" بين اللغات الأوروبية باسم "إيجيبتوس" المُشتق مِنْ اللغة اللآتينية.

قد يتمسك بعض المُتشددين إسلاميًا بكلمة "العربية" إعتقادا مِنهُم بأن هذا دليل على أنها دولة إسلامية، وهذا ليس صحيحًا لأن هُناك العديد مِنْ الدول الإسلامية وليس مُذيلًا باسم الدولة كلمة "العربية"!

في ظل الحماية البريطانية على مصر، أطلق على "مصر" اسم "السلطنة المصرية"، وكان أول السلاطين هو السلطان حسين كامل، وأعلنوا مصر محمية بريطانية في سنة 1914 في بداية الحرب العالمية الأولى.
ويلاحظ أن لقب "سلطان" هو نفس اللقب لرأس الدولة العثمانية، ثم تولي بعده فؤاد الأول الذي لقب ب"سلطان مصر" حتى عام 1922 وتغير لقبه إلى ملك "المملكة المصرية".

قام ضُباط الجيش في عام 1952 على الملك فاروق الأول وكان لقبه في ذلك الوقت "ملك مصر والسودان" وأجبروه على التنازُل لإبنه الرضيع أحمد فؤاد، ثم أعلنت الجمهورية في يوم 18/6/1953.

ثم حاول الرئيس عبد الناصر، أن يُحقق حلمه بأن يكون زعيمًا للأُمة العربية، وبعد أن توحدت مصر وسورية تغير اسم مصر إلى "الجُمهورية العربية المُتحدة".
انتهت الوحدة في عام 1961 وتغير اسم مصر فيما بعد إلى "جمهورية مصر العربية" ومازلنا إلى هذا اليوم نلتحف بهذا الاسم الذي يسلبنا هويتنا الحقيقية ويضعنا في مكانة لا تليق بنا كشعب حضاري له استقلاليته ومكانته في وسط العالم.

هل يا سيادة الرئيس السيسي سيادتكُم تحلم أيضًا، مثل عبد الناصر بأن تكون زعيمًا للأُمة العربية؟!
سيدي الرئيس، في إعتقادي أن سيادتكُم عبرت حدود الأمة العربية، وترأست على القارة الأفريقية، وانطلقت للعالم الخارجي، شمالًا جنوبًا وشرقًا غربًا، ووعدت ومازلت عند وعدك بأن تًصبح أم الدنيا قد الدنيا!
سيادة الرئيس، لكي تًصبح أم الدنيا قد الدنيا، يجب أن تستعيد مصر هويتها الصحيحة، بأن تمحو كلمة "العربية" من اسم مصرنا الحبيبة.
وياحبذا، لو أصبحت "مصر" فقط، وليس "جمهورية مصر" كما العديد من الدول، فرنسا والنمسا وهولندا وألمانيا وغيرهم.
سيادة الرئيس، على ما أعتقد أنه مطلب الكثيرين، والغالبية العُظمي من المصريين، أن يكون اسم بلدهم "مصر"!