رئيس التحرير
عصام كامل

فقط تسجيل موقف حول الدستور الجديد (2)


تقرأ الدستور فتشعُر في كثير من مواده كأنك تقرأ تويتات من البرادعي على التويتر. فمثالياته مُطلقة وغامضة، تحتمل الكثير من التأويل في التطبيق، وكأنها ستأخذنا إلى نفس الموقف الذي اتخذه البرادعي من فض رابعة، ليصبُغ سياسة الوطن بأكمله. وتتجسد فلسفة الموقف في البحث عن المثاليات الفجة دفاعا عن البعض، بعيدا عن أمن ومصلحة الوطن والأغلبية القصوى من مواطنيه، وهو الفكر الذي يقوم عليه نُشطاء حقوق الإنسان في وقفتهم الآن ضد قانون التظاهر، وقد عبر أعضاء بارزون في الخمسين بالدفاع عنهم ومُساعدتهم في انتهاكهم القانون وبالتالي هيبة الدولة، وهو الأمر الذي يؤكد عليه "دستورهم" أيضا!!


فاذا نظرت عزيزي القارئ إلى الباب الثالث من الدستور الصادر عن الخمسين، الخاص بالحقوق والحريات والواجبات العامة، ستجد 42 مادة، منها اثنتان فقط تنظران في واجبات المواطن، بينما باقي المواد حول حرياته وحقوقه. وهذا الباب يجعل الدستور المصري أعلى في مثاليته عن الكثير جدا من دساتير الدول الغربية العريقة في الديمقراطية وليست الناشئة مثلنا.

وبالطبع الحرية أمر مهم يجب أن تكفله الدولة للمواطن، إلا أن الحرية المُبالغة في ظل الجهل بمعناها، تؤدي إلى الفوضى كما رأينا وعلى مدى الثلاث سنوات الماضية. والمُصيبة أن الذين لم يفهموا معنى الحرية لم يكونوا بالأساس أميي مصر، وإنما هؤلاء المُتعلمون، من نخبة ساهم بعض منها في كتابة هذا الدستور.

إلا أن إحدى المصائب الأعمق في الدستور (والمصائب فيه مُفجعة)، تقع في مناح أخرى، مثل تأكيد اللامركزية الإدارية في باب السلطة التنفيذية في فرعها الثالث والخاص بالإدارة المحلية، وكما هو وارد في المادة 176 من الدستور، ونصها: "تكفل الدولة دعم اللامركزية الإدارية والمالية والاقتصادية، وينظم القانون وسائل تمكين الوحدات الإدارية من توفير المرافق المحلية، والنهوض بها، وحسن إدارتها، ويحدد البرنامج الزمني لنقل السلطات والموازنات إلى وحدات الإدارة المحلية".

إن هذا النص هو نص يُكمل ما انتهى إليه الإخوان من رغبة في تقسيم مصر وبيعها. فالإدارة اللامركزية لا تصلح في مصر، بحكم العلم وليس وفقا لرؤية لدي. فوفقاً لعلم الجغرافيا الثقاقية Cultural Geography، لا يصلح لبعض الدول ومن ضمنها مصر، أن تحكم بأسلوب لامركزي، وإلا تقطعت أوصالها. ولم تعرف مصر اللامركزية على طول تاريخها منذ الفراعنة. وهذا النص هو نص "مستورد" وعليه بصمات البرادعي ومشروعه الأمريكي، بقوة تفوق أثره في نصوص الغموض المُطلق.

وقد كنت أتصور مع الطريقة التي تم بها تشكيل لجنة تعديل الدستور أنه يتكون من فصيل واحد ذي خلفية يسارية فقط، لكن اتضح لي مع القراءة أن الإخوان متواجدون في متن النصوص، حيث إنهم عملوا بكل ما أوتوا من شيطنة على تقسيم مصر، بل وبيع أراضيها ومنحها للغير، وهاهو نص المادة 176 يؤكد ما أقول بقوة.

وأقول لمن يفترض أننا علينا أن نُجرب، بأن مصر وطننا، ولا يجوز أن نُشربه السم على سبيل التجربة، إلا لو أننا لم نتعلم من دروس الثلاث سنوات الماضية، ونريد المزيد من الألم، بأيدينا، وليس بأيدي أحدٍ سوانا. ولقد تعلمنا أن أغلب تلك النخبة التي تقنعنا بالتصويت اليوم في اتجاه مُعين، قد أغرقتنا من قبل. فهل نحن لتلك الدرجة من عدم الإيمان؟! هل يُلدغ المؤمن من جُحرٍ كل مرة؟!

لست أرى مصر بذاك الرخص، ولذا سأصوت بلا على الدستور الإخواني المعدل بأيد يسارية تفتح أبوابا لعودة الفكر الإخواني لتقسيم بلادي.
وللحديث بقية
وتحيا مصر
الجريدة الرسمية