رئيس التحرير
عصام كامل

«الحوار الوطني» يقسم الشباب التونسي.. الغضب يسيطر على الميادين.. «النهضة»: مستاءون من مفاوضاتنا مع النظام القديم.. «الجماعي»: تأزم الموقف العام بالبلاد.. «البجاوي

الشباب التونسي -
الشباب التونسي - صورة ارشيفية

تباينت مواقف الشباب التونسي تجاه الحوار الوطني الذي يهدف إلى إخراج تونس من أزمتها السياسية. ففيما فسره البعض على أنه انقلاب وتطبيع مع الثورة المضادة، رأى البعض الآخر أنه السبيل الوحيد لتسريع الانتقال الديمقراطي.

وتختلف آراء الشباب التونسي حول الحوار الوطني الرامي إلى حل الأزمة السياسية في تونس، والذي انطلق يوم أمس الجمعة بعد أن تعهد رئيس الحكومة التونسية على العريض خطيا بتقديم استقالة حكومته استجابة لمطالب المعارضة. 

ورغم الأمل الكبير الذي يعلقه التونسيون على الحوار الوطني، إلا أن بعض القوى السياسية القريبة من الحكومة يرون فيه انقلابا ناعما وتطبيعا غير مبرر مع الثورة المضادة. ويقول حسام الدين الطرابلسي، وهو ناشط سياسي في حركة النهضة، إنه يشعر كغيره من الشباب الذي شارك في الثورة بالغضب واليأس نتيجة التفاوض مع بقايا النظام القديم، رغم أن السلطة الحاكمة غير مجبرة على ذلك، وتملك التمثيلية الشعبية التي أفضت إليها انتخابات المجلس التأسيسي.

ويؤكد حسام أن الحوار الوطني لا يعدو أن يكون سوى "تطبيع وإذعان وخضوع لبقايا النظام القديم. كما يصف الناشط الإسلامي الحوار الوطني بعملية تطبيع مفضوحة وتسوية تاريخية بين القوى التي أنتجتها الثورة والقوى النافذة في الإعلام والاقتصاد والإدارة". ووصف حسام الحوار الوطني بأنه "مصالحة قبل تحقيق العدالة"، متسائلا: "كيف يمكن إجراء مصالحة مع من قمع واضطهد ونهب قبل تطبيق المحاسبة وتحقيق العدالة".

وإذا كان بعض شباب التيارات الإسلامية، يرون الحوار الوطني كنوع من الرضوخ غير المبرر والتفاف على المطالب التي رفعت في احتجاجات القصبة 1 و2، فإن آخرين ممن تحدثت إليهم دوتش فيل، يرون فيه مخرجا لحل الأزمة السياسة التي تعصف بالبلاد. كما يرونه أيضًا حلاً ضرورياً لتعافي الاقتصاد وعودة الأمن. ويعتبر هؤلاء الشباب أن التوافق دون إقصاء لأحد، هو الذي سيمكن تونس من إنجاح المسار الانتقالي المتعثر.

ويقول هيثم الجماعي، وهو ناشط سياسي من التحالف الديمقراطي المعارض: "إننا نعول كثيرا على الحوار الوطني للخروج من الوضع المتأزم بالبلاد على المستويات الأمنية والاقتصادية في ظل التجاذب السياسي الكبير". ويذكر هيثم أن هناك إشارات قوية على تواصل تأزم الوضع العام في تونس. 

ومن بين هذه الإشارات، ذكر الناشط السياسي المنتمي للتحالف الديمقراطي المعارض "تراجع قيمة الدينار التونسي وتباطؤ نسق النمو الاقتصادي والاغتيالات التي عرفتها الساحة السياسية التونسية"، بالإضافة إلى "الاعتداءات المتكررة على قوات الأمن والجيش من قبل التيار السلفي. وهذا ما "يفرض على كل الأحزاب السياسية الدخول في توافق لتجاوز هذه المرحلة الصعبة وإنجاح المسار الانتقالي المعطل"، كما يقول هيثم الجماعي.

ورغم كل ما يحف بالحوار الوطني من تجاذب سياسي، إلا أن الأمل لا يزال قائما في نجاح مبادرة الأطراف الراعية للحوار. ويصف هيثم "الأجواء التي تحيط بالحوار الوطني بالمشجعة، رغم تلكؤ الأحزاب الفاعلة وتغليبها للمصلحة الحزبية". 

ويعتبر الكثير من التونسيين أن التوافق بين الشركاء السياسيين، رغم الاختلاف والتباين الأيديولوجي بينهم، ضروريا لاستكمال الانتقال الديمقراطي. ويعتقد العديد منهم أن الانتقال الديمقراطي تعطل بفعل هيمنة حركة النهضة ورغبتها في الاستئثار بمفاصل الدولة من جهة، وأيضا بسبب عدم قبول المعارضة للتفويض الشعبي المنبثق عن المجلس التأسيسي والذي مكن الإسلاميين من مقاليد الحكم، من جهة ثانية

ويبدو أن أطرافا في المعارضة التونسية وفي الائتلاف الحاكم على حد سواء، اقتنعت بأن "القوى القديمة" أصبحت رقما مهما في المعادلة السياسية الجديدة في تونس. وهو ما جعلها تفتح لها باب الحوار لضمان استقرار البلاد وتأمين المسار الانتقالي. ولا ينفي التقارب الحاصل داخل جبهة الإنقاذ وجود تقارب غير معلن بين حركة النهضة ونداء تونس، جعل حركة النهضة تتراجع عن قانون للعزل السياسي كانت قد دعمته في إطار تحالفها مع القوى السياسية القريبة منها.

وإذا كانت كل الأحزاب الممثلة في المجلس التأسيسي قد وافقت على إمضاء خارطة الطريق التي أعدتها المنظمات الراعية للحوار، فإن حزب الرئيس منصف المرزوقي رفض الإمضاء على ذلك. ويفسر أنيس البجاوي، المنتمي لحزب المؤتمر من أجل الجمهورية، ذلك بأن "حزبه رحب بمبادرة الرباعي الراعي للحوار واعتبر المنظمات الوطنية عناصر تعديل ووفاق ودعاة". غير أن حزبه تفاجأ "يوم انطلاق جلسات الإعداد للحوار الوطني بوثيقة دعت الأحزاب للإمضاء عليها دون مناقشتها".

وقد استغرب أنيس أن "يتم التوقيع على وثيقة قبل أن يبدأ الحوار، وهو موقف سانده قانونيًا العديد من الخبراء" على حد قوله. وعزى البجاوي ذلك إلى "سعي أطراف من المعارضة إلى توثيق تعهدات والتزامات الأحزاب".

ورغم اختلاف آراء الشباب التونسي حول الحوار الوطني المرتقب بين رافض له ومرحب، إلا أن هناك واقعا لا يقبل الاختلاف، وهو تراجع دور الشباب في المشهد السياسي التونسي. فقد غابت أو تكاد تغيب المبادرات الشبابية وبات الشباب عازفا عن العمل السياسي ومحبطا لما آلت إليه الأوضاع ومعها آماله وطموحاته. لكن أنيس البجاوي يؤكد أن الشباب "سيبقى حاضرا في ميادين النضال السياسي والنقابي وحتى الافتراضي، وذلك رغم التغييب الإعلامي وانعدام التكوين والمساندة".
الجريدة الرسمية