رئيس التحرير
عصام كامل

أصحاب التيجان البيضاء.. بركة المجتمع

18 حجم الخط

أصحاب التيجان البيضاء مصطلح أدبي واجتماعي رفيع أطلقناه على كبار السن، تشبيها للشعر الأبيض عند التقدم في العمر بالتاج الذي يتوج رؤؤسهم، دلالة على الحكمة والوقار وتراكم الخبرات بعد رحلة عطاء طويلة.. وتحظي هذه الفئة بمكانة رفيعة، ونعتبرهم بركة المجتمع، وقد أولى الإسلام عناية فائقة بهم، وأوصانا بحسن معاملتهم، كما نرى في سطور هذا البحث الرائع الذي أعجبني مضمونه.
 

من القضايا التي شغلت المجتمعات المعاصرة قضيةُ المسنين؛ إذ أن تزايد أعدادهم، وتأثير الحياة المادية في الإنسان المعاصر، قد أثَّرا سلبًا في نظرة بعض المجتمعات الغربية إلى المسنين باعتبارهم عبئًا على المجتمع، فضلًا عن الأسرة. 

لذلك أُنشئت الدور والملاجئ لإيوائهم والعناية بهم من الناحية المادية، إلا أن الجانب النفسي والإنساني يظل مما لا تستطيع تلك المؤسسات توفيره على الوجه الأكمل.


وقد امتدت هذه الظاهرة إلى مجتمعاتنا الإسلامية بسبب تأثير الحضارة المعاصرة في حياة المسلمين، في الوقت الذي عالج فيه الإسلام هذه القضية في إطار فلسفة عامة تنطلق من نظرته للإنسان، وخلقه وتكوينه، والعلاقة بين أفراده، ودوره في الحياة.


فالمسن في المنظور الإسلامي هو إنسان بلغ مرحلة متقدمة من العمر، أقعدته أو أعجزته عن القيام ببعض مهامه تصريف شؤونه، فأصبح محتاجًا إلى غيره. وقد صوَّر القرآن الكريم المراحل العمرية التي يمر بها الإنسان، والتي تبدأ بالطفولة، مرورًا بمرحلة الشباب، وتنتهي بالشيخوخة والوفاة، وما تتسم به مرحلة الشيخوخة من وهن القوى، وشيب الرأس، وضعف القدرة على الحفظ والتذكر.


قال الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَىٰ أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لَا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ﴾ [النحل: 70]. وقال تعالى: ﴿وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ ۖ أَفَلَا يَعْقِلُونَ﴾ [يس: 68]. كما قال سبحانه على لسان زكريا عليه السلام: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا﴾ [مريم: 4].


وهذه المراحل والتطورات العمرية التي يمر بها الإنسان هي تطورات طبيعية وسنن إلهية ثابتة في الحياة البشرية، لا يملك الإنسان دفعها مهما بذل من جهد. ومن ثم ينبغي للمسلم أن يتقبلها على أنها أمر قدَّره الله تعالى على عباده، فلا يضيق بها صدرًا، ولا يتبرم منها، بل يواجهها بالصبر والرضا.

 

كما أن هذه التغيرات لا تنقص من كرامة الإنسان أو حقوقه؛ إذ إن تكريم الله تعالى للإنسان لا يرتبط بمرحلة عمرية معينة، بل يشمل جميع مراحل العمر. قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ [الإسراء: 70].


فحق الإنسان في التكريم والاحترام حق ثابت في الصغر والكبر، وفي الشباب والشيخوخة، كما يربي الإسلام المسلم على الأمل والرجاء في رحمة الله تعالى، فلا ييأس ولا يقنط مهما كانت الظروف التي يمر بها من ضعف أو عجز، قال تعالى: ﴿إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾ [يوسف: 87]. وقال سبحانه: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ [الزمر: 53].

ومن الواجب علينا أن نُحسن إلى كبار السن، وأن نرعى مشاعرهم ونقدر مكانتهم، فهم الآباء والأمهات والأجداد الذين أفنوا أعمارهم في خدمة أسرهم ومجتمعاتهم. وهم بحاجة إلى الكلمة الطيبة، والابتسامة الصادقة، والاهتمام، والشعور بأنهم ما زالوا موضع تقدير ومحبة.

كن العوض عما فقدوه، وكن الربيع في خريف عمرهم، وكن العكاز فيما تبقى من أيامهم. سلام على كبار السن، وسلام على من يراعون كبار السن.. هم كبار السن الآن، سيذهبون وعما قليل ستكون أنت هذا الكبير المسن.. المقبل.. فاحذر وانظر ما أنت صانع وما أنت زارع.

الجريدة الرسمية