رئيس التحرير
عصام كامل

سقوط ظل نتنياهو.. جنرالات الحرب والدم يتصارعون لاعتلاء رئاسة الحكومة الإسرائيلية.. وتأرجح أمريكي قد يعيد تشكيل المشهد على أنقاض عهد قديم

أبرز الشخصيات التي
أبرز الشخصيات التي تستعد لاعتلاء كرسي نتنياهو
18 حجم الخط

ماذا لو رحل بنيامين نتنياهو عن السلطة بعد 30 عاما كان فيها الفاعل الأكبر في دوائر صنع القرار الإسرائيلي؟ ومن هم أبرز الشخصيات الذين يستعدون لاعتلاء كرسيه في ظل التقارير الإعلامية الإسرائيلية التي تشير أن الإدارة الأمريكية بدأت بالفعل فتح قنوات اتصال غير رسمية مع أطراف من المعارضة الإسرائيلية، في إطار الاستعداد لسيناريوهات ما بعد نتنياهو، في وقت تتزايد فيه التوترات بين واشنطن والحكومة الإسرائيلية الحالية، إلى جانب استمرار الجدل الداخلي المرتبط بملفات الفساد والمحاكمات التي تلاحق رئيس الوزراء.

وفي السياق، تشير جريدة معاريف الإسرائيلية إلى أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لم يحسم موقفه النهائي من دعم نتنياهو، حيث قال إنه من المرجح جدا أن يدعم رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو في الانتخابات المقبلة، مشيرا في الوقت نفسه إلى أن موقفه النهائي سيبقى مرتبطا بهوية المرشحين الذين سيدخلون هذا السباق الانتخابي. 

وأضاف: لدي علاقة ممتازة مع رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو، وأنا أحب بيبي، لكن عليه أن يكون أكثر عقلانية، وأنا مستعد للقائه في أي وقت.

خلافات عميقة رغم التصريحات الناعمة

لكن تصريحات ترامب تناقضت مع تقرير نشرته جريدة "وول ستريت جورنال" الأمريكية، مشيرة إلى أن العلاقة بين ترامب ونتنياهو لم تعد ودية، مثلما كانت في السابق.

نتنياهو كان فاعلا في المشهد الإسرائيلي لـ30 عاما
نتنياهو كان فاعلا في المشهد الإسرائيلي لـ30 عاما

وبحسب التقرير، أعرب ترامب خلال إحدى المحادثات الهاتفية عن استيائه من حجم الدمار الذي لحق بلبنان، وقال لنتنياهو: "لماذا تفجرون المباني؟ توقفوا عن تفجير المباني".

من جهتها، قالت جريدة "هآرتس" الإسرائيلية: إن نتنياهو غامر بكل شيء وخسر؛ لكن منظومة إعلامية وسياسية واسعة ما زالت توفر له الحماية رغم الإخفاقات التي شهدتها إسرائيل على المستويين السياسي والأمني؛ وهذه المنظومة لا تقتصر على الدفاع عن نتنياهو، بل تعمل على إبعاد المسؤولية عنه وتوجيه اللوم إلى أطراف أخرى، ما يمنع تشكل حالة من المحاسبة العامة على قراراته وسياساته.

ورأت "هآرتس" أن النظام المتكامل الذي صنعه نتنياهو حول نفسه، يساهم في إعادة تفسير الأزمات والإخفاقات على أنها نتيجة مؤامرات أو ضغوط خارجية، وليس نتيجة مباشرة لإخفاقاته والكوارث التي ارتكبها.

من هم أهم منافسي نتنياهو؟

في ظل حالة التصدع بين ترامب ونتنياهو، يظهر العديد من منافسيه القادرين على إزاحته من كرسي السلطة الإسرائيلية، مثل رئيس الوزراء الأسبق نفتالي بينيت مدعوما بتحالف قوي مع رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق يائير لابيد، ورئيس أركان جيش الاحتلال الإسرائيلي الأسبق جادي آيزنكوت، ووزير الحرب الأسبق بيني جانتس، والرئيس السابق لجهاز الموساد يوسي كوهين، في انتظار وجوه أخرى قد تفرض نفسها على المشهد الانتخابي الإسرائيلي.

وعلى الرغم من اختلاف الأسماء، والمظلات الحزبية، يجمع منافسي نتنياهو تاريخا دمويا لا يختلف كثيرا عن تاريخه الذي دفع المحكمة الجنائية الدولية للمطالبة بمثوله أمامها بتهم ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية خلال حرب الإبادة الإسرائيلي على غزة.

نفتالي بينيت.. سفاح مجزرة قانا

طرح رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق نفتالي بينيت نفسه مؤخرا منافسا قويا في الانتخابات التشريعية الإسرائيلية المقبلة، مدعوما بخلفية تؤمن بالصهيونية كحل أوحد لجمع الشتات الإسرائيلي تحت مظلة "نظام صهيوني ديني".

رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق نفتالي بينيت وزعيم المعارضة يائير لابيد
رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق نفتالي بينيت وزعيم المعارضة يائير لابيد

ويصف بينيت نفسه بأنه "أكثر تشددا من بنيامين نتنياهو" في توجهاته اليمينية، مع تأكيده في الوقت ذاته أنه لا يتبنى "خطاب الكراهية أو الاستقطاب"، مشيرا إلى أن حكومته المحتملة ستعتمد حصريا على الأحزاب الصهيونية، دون غيرها.

ويبدي بينيت استياء واضحا مما يراه تهميشا لليمين الإسرائيلي عموما، وللمتدينين خصوصا، معتبرا أنهم يشكلون "الأغلبية الصامتة" التي تتعرض للإقصاء نتيجة ما يصفه بسيطرة التيارات اليسارية على مفاصل مؤثرة مثل الإعلام والقضاء والمؤسسات الأكاديمية.

وخدم بينيت كضابط في وحدة النخبة "ماجلان" خلال عملية "عناقيد الغضب" في لبنان عام 1996، حيث تولى قيادة قوة قوامها 76 جنديا. وخلال تلك الفترة، ارتبط اسمه بمجزرة قانا الأولى، التي أسفرت عن مقتل 106 مدنيا (تشير بعض التقارير إلى ارتفاع العدد إلى 122 شهيدا)، وإصابة 250 آخرين، معظمهم من النساء والأطفال وكبار السن، إثر قصف استهدف مركز إيواء تابع لقوات الأمم المتحدة. وكان بينيت حينها يقود الكتيبة 67 ضمن وحدة عسكرية إسرائيلية، والتي ارتبط اسمها بتلك المذبحة.

وفي إطار مساعيه لإنهاء حقبة نتنياهو، أعلن بينيت تحالفه مع يائير لابيد رئيس حزب "يوجد مستقبل"، ضمن كيان سياسي جديد يحمل اسم "معا".

ويمثل تحالف بينيت- لابيد كتلة لا يستهان بها؛ حيث عرف لابيد بمواقفه المعارضة لنتنياهو في كل الملفات، معتبر أن "الاتفاق مع إيران كارثة سياسية غير مسبوقة، حيث جرى تهميش إسرائيل بالكامل عن مسار المفاوضات؛ وأن حكومة نتنياهو أخفقت في إدارة المواجهات مع غزة ولبنان وإيران".

كما يرى لابيد –حليف بينيت القوي- أن إسرائيل في عهد نتنياهو "أصبحت دولة وصاية بالكامل"، مضيفا: التحرك العسكري الأخير لم ينجح في إسقاط النظام الإيراني أو تدمير البرنامج النووي الإيراني، والمواطنون الإسرائيليون ليسوا دمى في مسرح".

جادي آيزنكوت.. مهندس الإعدامات الميدانية

كشفت نتائج أحدث استطلاعات الرأي تصاعد شعبية رئيس أركان جيش الاحتلال الإسرائيلي الأسبق جادي آيزنكوت بوصفه أحد أبرز المنافسين المحتملين لنتنياهو، مدعوما بتاريخ دموي عندما كان قائدا لفرقة جيش الاحتلال في الضفة الغربية المحتلة، خلال الانتفاضة الفلسطينية الثانية وهي الانتفاضة التي اندلعت عقب اقتحام زعيم المعارضة الإسرائيلية آنذاك السفاح أرييل شارون باحات المسجد الأقصى تحت حماية مشددة من جيش الاحتلال.

رئيس أركان جيش الاحتلال الإسرائيلي الأسبق جادي آيزنكوت
رئيس أركان جيش الاحتلال الإسرائيلي الأسبق جادي آيزنكوت

وخلال توليه تلك الفرقة، استخدم آيزنكوت الصواريخ وقذائف الدبابات والرصاص المطاطي والحي والقنابل الغازية والصوتية والحارقة في مواجهة المدنيين الفلسطينيين، واتبع سياسة الإعدامات الميدانية للفلسطينيين، ما أدى إلى استشهاد 4412 فلسطينيا، إضافة إلى 48 ألفا و322 جريحا، فضلا عن ملاحقة الناشطين وقادة الفصائل وقتلهم أو الزج بهم في السجون وإصدار أحكام عالية بحقهم كما حدث مع القيادي في حركة التحرير الوطني الفلسطيني (فتح) مروان البرغوثي والأمين العام للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين أحمد سعدات.

بيني جانتس.. أمير الدم وقاتل الأطفال

يظهر وزير الحرب الإسرائيلي الأسبق وزعيم حزب "أزرق أبيض" بيني جانتس كأحد أبرز الشخصيات الإسرائيلية التي اعتادت الترشح في مواجهة نتنياهو، وهو من قدامى المحاربين في لبنان، حيث شارك في عملية "الليطاني" في مارس 1978، حين اجتاح حوالي 25 ألف جندي بجيش الاحتلال الإسرائيلي جنوب لبنان، وأدى ذلك إلى سقوط ما بين 200 و400 شهيد لبناني، ونزوح حوالي 400 ألف إلى بيروت وضواحيها. وشارك جانتس كذلك في حرب لبنان الأولى عام 1982.

وزير الحرب الإسرائيلي الأسبق وزعيم حزب أزرق أبيض بيني جانتس
وزير الحرب الإسرائيلي الأسبق وزعيم حزب أزرق أبيض بيني جانتس

وعرف جانتس بعلاقاته القوية مع واشنطن، حيث شغل منصب الملحق العسكري هناك في عام 2007، فيما اشتهر داخل الدوائر العسكرية الإسرائيلية بلقب "الأمير"، في ظل قيادته للعديد من المذابح التي راح ضحيتها مئات الشهداء الفلسطينيين في غزة، ومنها عملية "عمود السحاب" في نوفمبر 2012، والتي بلغ فيها عدد الشهداء الفلسطينيين 168 من بينهم 34 طفلا، كما دمرت قوات الاحتلال 2153 منزلا، وبلغ عدد المهجرين قسرا جراء هدم وتدمير المنازل نحو 20 ألف و925 فلسطينيا، بينهم 9259 طفلا وفقا لتقرير مركز الميزان لحقوق الإنسان.

وقاد جانتس أيضا عملية "الجرف الصامد" على غزة في عام 2014، والتي استمرت 51 يوما، حيث شن جيش الاحتلال الإسرائيلي أكثر من 6 آلاف غارة جوية وأطلق حوالي 50 ألف قذيفة مدفعية، ما أسفر عن استشهاد 1462 مدنيا فلسطينيا ثلثهم من الأطفال.

ويقول جانتس: رحيل نتنياهو وحده لا يكفي. يجب تشكيل حكومة وحدة صهيونية، فالناخب هو من سيحسم في النهاية، لكنني لست مستعدا للاكتفاء بحكومة ضيقة ومتطرفة، فقد رأينا إلى أين يقودنا هذا النهج.

يوسي كوهين.. تجنيد عملاء الموساد في طهران

لا يخلو المشهد من الرئيس السابق لجهاز الموساد يوسي كوهين، والذي اتهمه نتنياهو بالحصول على هدايا غير مشروعة من أثرياء، فيما اعتبر كتابه "سيف الحرية: إسرائيل الموساد والحرب السرية "، بمثابة سجادة حمراء حاكها لنفسه كي يسير عليها لاعتلاء رئاسة وزراء إسرائيل؛ واشتهر كوهين بنجاحه في زرع خلايا كبيرة من العملاء على الأراضي الإيرانية الذين نفذوا عمليات دقيقة، وجمعوا معلومات مهمة عن المشروع النووي الإيراني وعن قيادات الحرس الثوري، متباهيا بمسؤوليته عن عملية اغتيال عماد مغنية، الذي كان رئيسا لأركان العمليات في "حزب الله".

الرئيس السابق لجهاز الموساد يوسي كوهين
الرئيس السابق لجهاز الموساد يوسي كوهين

ويروي كوهين في كتابه أن ترامب خاطبه في البيت الأبيض قائلا: "كيف حال أقوى رجل في الشرق الأوسط؟"؛ فيما يصف الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بـ"الزميل"، باعتبار أن كليهما قادم من أجهزة المخابرات.

ويقول: رؤساء المخابرات الأمريكية الذين عملت معهم يعتبرونني أكبر وطني إسرائيلي، وأكبر صديق للولايات المتحدة؛ أما زوجتي فتقول إنني وضعت هدفا لأن أكون قائدا للموساد، بكنني في قرارة نفسي أردت أن أكون قائدا، لكل القادة.

وفي المحصلة، يبقى مستقبل نتنياهو السياسي مفتوحا على احتمالات معقدة تتداخل فيها حسابات الداخل الإسرائيلي مع ضغوط الخارج، في ظل صعود منافسين يمتلكون تاريخا دمويا –لا يقل عنه- سواء في غزة أو لبنان أو طهران.

  • في الفيديو المرفق يعلن نتنياهو عزمه الترشح في الانتخابات التشريعية الإسرائيلية القادمة، وتعهده بالفوز بها.
الجريدة الرسمية