الحاكمية.. أحدث أسلحة الإخوان في مواجهة انهيار التنظيم.. قيادات كبرى تعيد تسويق خطاب العنف ضد الأنظمة الحاكمة.. وخبراء: محاولة مكشوفة لإنقاذ الجماعة من الانقسام
رغم المناورات المستمرة، وادعاء السلمية، لكن المفاجأة أن مشروع الحاكمية أصبح آخر الأوراق التي يلجأ إليها التنظيم في مواجهة حالة الانهيار والانقسام غير المسبوق الذي يعصف بصفوفه، فمع تآكل الشرعية السياسية وسقوط الرهانات على ورقة الخارج والمجتمع الدولي، لم يعد أمام قيادات التنظيم وخاصة الكماليين، سوى مشروع سيد قطب لحماية القواعد الشابة من التحلل والاصطدام بالحقيقة، وهو ما جعل السوشيال ميديا الإخوانية تتحول مؤخرًا إلى خلايا عمل رقمية نشطة، لإعادة تسويق أفكار وكتابات منظر الجماعة الأبرز سيد قطب، وربط الأجيال الجديدة بأخطر منهج حركي عرفه تاريخ التيارات الدينية، لشرعنة الصدام مع الدولة والمجتمع.
سر صعود الفكر القطبي على ميديا الجماعة
ترى القيادات الشابة وخاصة المحسوبة على جبهة الكماليين أن منهج قطب هو الأكثر فعالية خاصة بعد أثمر في دول الجوار وخاصة سوريا عن صعود التيار الجهادي إلى سدة الحكم والفوز بالسلطة، وهو أهم غاية للجماعة، لذا تأتي هذه التحركات لإعادة تأهيل الأجيال الجديدة للتنظيم وتطعيمها بالفكر القطبي التاريخي القائم على الصدام الفكري والمجتمعي ويعتبرونه الكارت السحري لإنقاذ مستقبل الإخوان من حالة الانقسام والتراجع والتيه التي تعيشها القواعد بعد فشل مشروعها السياسي.
ويمكن رصد هذا الاتجاه من تصاعد نبرة عدد من رموز التنظيم الهاربين خارج البلاد، لتسويق استخدام القوة ضد الأنظمة الحاكمة، حيث تصدر المشهد القيادي الإخواني وصفي أبو زيد بتصريحات علنية ادعى فيها أن السلمية ليست من ثوابت الدين ولا من مقررات السياسة، معتبرًا أن المعيار الوحيد الحاكم للعمل في المرحلة الحالية هو ما يراه التنظيم مصلحة مشروعة وحسب، وهو التوجيه الذي يمنح القواعد ضوء أخضر لتجاوز مفهوم الدولة الوطنية وسيادة القانون، والعودة إلى مشروع المجموعات المسلحة التي ترى نفسها وصية على المجتمع وقيمه.
ويرى إبراهيم ربيع، القيادي السابق والخبير في شؤون الجماعات الإسلامية، أن عودة الخطاب القطبي بهذه الكثافة يكشف عجز التنظيم عن تقديم أي مراجعة ذاتية؛ فالجماعة كلما واجهت انسدادًا في مشروعها السياسي أو رفضًا مجتمعيًا شاملًا، ترتد إلى النصوص الأكثر تشددًا لتبرير فشلها وتصويره على أنه ابتلاء تاريخي وليس خطأ في الممارسة.
ويشير ربيع إلى أن هذا النشاط خطة ممنهجة لإعادة تدوير مفاهيم الحاكمية والمفاصلة الشعورية مع المجتمع، وتوفير غطاء نفسي يمنع الشباب من الانشقاق أو التساؤل عن مصير الوعود التنظيمية السابقة، من خلال إقناعهم بأن المجتمع بأسره يعيش حالة تخلف وجاهلية تستوجب العزلة والتمترس خلف الولاء للتنظيم فقط.
ويتفق مع هذا التحليل الباحث في شؤون الحركات الإسلامية سامح عيد، الذي يوضح أن لجوء الآلة الإعلامية للإخوان إلى أطروحات سيد قطب يعكس رغبة الكماليين في الحفاظ على تماسك الهيكل التنظيمي عبر صناعة عدو متخيل وضخ جرعات مكثفة من أفكار المظلومية والاستعلاء الإيماني.
ويلفت عيد إلى أن هذه الحملات الموجهة تستهدف سد الفراغ المعرفي لدى الشباب الذين انضموا للتنظيم في السنوات الأخيرة ولم يعاصروا الصدامات القديمة، مما يسهل عملية غسيل الأدمغة عبر تعبئتهم بنصوص قطبية جافة ومقطوعة من سياقها التاريخي، وهي استراتيجية خطيرة، لأنها تصنع قنابل موقوتة وعناصر مشحونة نفسيًا وفكريًا برفض الدولة الوطنية والتعامل مع مؤسساتها وقوانينها باعتبارها هياكل غير شرعية تجب مواجهتها أو التملص منها عند أول فرصة.
تاريخ العنف داخل الإخوان
المتأمل في ظاهرة الانحياز للعنف، يجد أن هذه الإستراتيجية هي الركيزة التي قام عليها بناء التنظيم السري وعقيدته الحركية، وتظهر بوضوح عند تصفح الكتب التي تشكل العقل الباطن للجماعة. ففي كتاب معالم في الطريق لسيد قطب، الذي يعد الدستور الفعلي لتيارات العنف، يشدد قطب على أهمية تصنيف المجتمعات المعاصرة كلها باعتبارها مجتمعات جاهلية،
ويحدد قطب دور ما يسميها الطليعة المؤمنة بعدم الالتقاء مع هذه الجاهلية في منتصف الطريق، بل يجب التميز عنها والمفاصلة معها بالكامل، ونفس الأفكار سوق لها أبو الأعلى المودودي في كتاب المصطلحات الأربعة في القرآن، حيث صاغ فكرة الحاكمية التي تنزع الشرعية عن أي نظام سياسي أو قانوني وضعي، وتجعل الخروج عليه واجبًا شرعيًا، وهو ما يستند إليه مشايخ الإخوان اليوم لتبرير عبارة أن السلمية ليست من ثوابت الدين.
وحسب خبراء، الفكر الصدامي ونزعة العنف عند إخوان اليوم، تمتد تاريخيًا إلى الرسائل التوجيهية الأولى لمؤسس الجماعة حسن البنا، وتحديدًا في رسالة الجهاد ورسالة التعاليم؛ فالبنا أسس لفكرة الأممية وتجاوز الحدود الوطنية عندما اعتبر أن كل وطن لا يحكم بالفكرة الإخوانية هو وطن أجنبي يجب العمل على ضمه، واضعًا ركائز الطاعة المطلقة والثقة العميقة في القيادة دون نقاش.
وتحاول قيادات جبهة الكماليين الجمع بين إرث البنا التنظيمي وأفكار قطب التكفيرية في نظام واحد، لتكفير النظم السياسية القائمة والتمهيد لشرعنة العنف والصدام المسلح تحت مسميات المصلحة المشروعة ونصرة المنهج.
وتشير تقارير صادرة عن مراكز دراسات مستقلة، ومنها دراسات مركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية، إلى أن لجوء التنظيمات الدينية المنغلقة إلى أدبياتها المتطرفة في أوقات التراجع، يمثل آلية دفاع لحفظ التنظيم من التحلل؛ فالجماعة التي تفقد القدرة على منافسة الدولة في تقديم الخدمات أو كسب ثقة الشارع، تجد في خطاب التكفير وسيلة لإقناع أتباعها، وهذا الانكفاء الفكري يحول السوشيال ميديا الإخوانية إلى كانتونات معزولة شعوريًا وفكريًا عن الواقع، ويجعل أفرادها محصنين ضد أي حوار وطني أو محاولة لإعادة الدمج السلمي داخل المجتمع.
ووفقا للخبراء، هذه المنظومة الدعائية تكشف بوضوح أن معركة الوعي باتت تتطلب تفكيك هذه الجذور، فخروج منصات التنظيم للترويج لأفكار الصدام يثبت بما لا يدع مجالًا للشك أن فرضية تحول الإخوان إلى حزب سياسي مدني أو قبولهم بحدود الدولة الوطنية كانت مجرد مناورة تكتيكية فرضتها ظروف تاريخية معينة بينما الواقع الحالي يؤكد أن الشارع والأجهزة الثقافية والأمنية باتت تدرك أن مواجهة هذا التيار تتطلب بالأساس كشف زيف المنطلقات الفكرية لقطب والبنا، وإظهار التناقض الصارخ بين خطاب يدعي السلمية في العلن وآخر يربي القواعد في الغرف المظلمة على أدبيات التكفير ورفض الأوطان.
نقلا عن العدد الورقي
