رعب الـ 12%، كيف تحولت مواد الهوية إلى "كابوس" لطلاب المدارس الدولية؟
عقب إعلان نتائج صفوف النقل والشهادة الإعدادية، وبالتزامن مع انطلاق امتحانات الثانوية العامة 2026، شهد المجتمع التربوي أزمة كان أبطالها طلاب المدارس الدولية الراسبين في امتحانات مواد الهوية القومية، حيث كشفت نتائج المدارس الدولية في مواد الهوية القومية عن نسب نجاح لا تتجاوز 12% في العديد من الإدارات التعليمية على مستوى الجمهورية، وهو ما أثار ردود فعل واسعة بين أولياء أمور الطلاب المقيدين في تلك المدارس، خاصة أن نسب النجاح في كثير من المدارس كانت أدنى من ذلك بكثير.
الدستور المصري وموقف وزارة التربية والتعليم
أزمة مواد الهوية القومية بدأت منذ تولي محمد عبداللطيف وزير التربية والتعليم والتعليم الفني المسئولية، حيث أصر وزير التربية والتعليم على أن تكون مواد الهوية القومية (اللغة العربية والدراسات الاجتماعية) جزء من مجموع الطالب في المدارس الدولية، وفي مادة التربية الدينية يُطبق على طلاب المدارس الدولية نفس ما يطبق على طلاب المدارس الحكومية والخاصة من شروط النجاح والرسوب.
ورغم الخلفية التي يأتي منها وزير التربية والتعليم كونه كان أحد رموز القطاع الخاص في التعليم قبل توليه مسئولية الوزارة بما يمتلكه من مدارس خاصة ودولية، إلا أنه عقب تحمله مسئولية وزارة التربية والتعليم أصر على أهمية تدريس مناهج الهوية القومية لطلاب المدارس الدولية تنفيذًا لما ينص عليه الدستور المصري، حيث تنص المادة رقم (٢٤) من الدستور على أن «اللغة العربية والتربية الدينية والتاريخ الوطني بكل مراحله هي مواد أساسية في التعليم قبل الجامعي الحكومي والخاص، وتعمل الجامعات على تدريس حقوق الإنسان والقيم والأخلاق المهنية للتخصصات العلمية المختلفة».
إلى جانب التزام وزارة التربية والتعليم في عهد محمد عبداللطيف بنص الدستور فيما يتعلق بتدريس مناهج الهوية القومية لطلاب المدارس الدولية؛ فإن الوزارة تتبنى فلسفة تربوية تقوم على أساس ضرورة الاهتمام بمعرفة اللغة العربية باعتبارها اللغة الرسمية للبلاد كما ينص الدستور المصري في المادة الثانية منه على ذلك، وضرورة أن يتعلم الطلاب أصول التربية الدينية وأن يلموا بالتاريخ الوطني أيا كان نوع التعليم الذي يدرسونه طالما أنه طالب مصري ويدرس على أرض مصرية. هذه الرؤية تمثل المنطلق الأساسي لضرورة الالتزام بتدريس مواد الهوية الوطنية.
القرار الوزاري (١٤٨).. بداية الأزمة
في ٢٩ أغسطس ٢٠٢٤ أصدر وزير التربية والتعليم محمد عبداللطيف القرار الوزاري رقم ( ١٤٨ ) بشأن تنظيم عمل قواعد الدراسة والامتحانات والتقويم بكافة المدارس التي يدرس بها ويمنح شهادات دولية أو أجنبية أو ذات طبيعة خاصة (دولية) داخل جمهورية مصر العربية.
وقد جاء هذا القرار بناءً على نص الدستور، وعلى قانون التعليم الصادر بالقانون رقم ١٣٩ لسنة ١٩٨١ ولائحته التنفيذية وتعديلاتها، وعلى قرار رئيس الجمهورية رقم (٢٧١) لسنة ١٩٩٧ بتنظيم وزارة التربية والتعليم، وعلى القرار الوزاري رقم (٢٣٨) لسنة ١٩٩٢ بشأن: قواعد تحويل طلاب (.I.G) و(.C.S.E) للدراسة بالمدارس الثانوية العامة وفقًا للمناهج المصرية، وعلى القرار الوزاري رقم (٤٢٢) لسنة ٢٠١٤ بشأن: ضوابط وتنظيم العمل بالمدارس التي تطبق مناهج ذات طبيعة خاصة دولية، وعلى القرار الوزاري رقم (٣١٣) لسنة ٢٠١١ الخاص بإعادة تنظيم التقويم التربوي الشامل المطبق على مرحلة التعليم الأساسي بحلقتيها الابتدائية والإعدادية وتعديلاته، وعلى قراري المجلس الأعلى للجامعات؛ قرار المجلس الأعلى للجامعات رقم ( ٤٢٩ ) بتاريخ ٩ / ٧ / ٢٠٠٥ بشأن قواعد احتساب درجات الـ ( SAT I ) في الشهادة الثانوية الأمريكية للعام الجامعي ٢٠٠٦ / ٢٠٠٧، ورقم ( ٥٤٣ ) بتاريخ ١ / ١٠ / ٢٠٠٥ بشأن ضوابط قبول الشهادات الأجنبية (الشهادة الثانوية الأمريكية المعادلة).
ونص قرار وزير التربية والتعليم رقم (١٤٨) في مادته الأولى على «تلتزم كافة المدارس المرخص لها داخل جمهورية مصر العربية والمرخص لها بتدريس مناهج دولية أو أجنبية أو ذات طبيعة خاصة (دولية) بتدريس مادة اللغة العربية لمرحلة رياض الأطفال، كما تلتزم بتدريس مادتي اللغة العربية والتربية الدينية لطلاب الصفوف من الأول حتى الثالث أو ما يعادلهم، كما تلتزم بتدريس مواد اللغة العربية والدراسات الاجتماعية والتربية الدينية من الصف الرابع وحتى الصف التاسع أو ما يعادلهم، وذلك طبقًا للمنهج المطبق تدريسه بالمدارس الرسمية المصرية في المراحل الدراسية المناظرة».
أزمة المجموع في المدارس الدولية
الجديد في قرار وزير التعليم جاء في نص المادة الثانية منه والتي تنص « يكون مجموع درجات الطالب في نهاية كل صف دراسي مشتملًا على درجتي مادتي اللغة العربية والدراسات الاجتماعية المشار إليهما بالمادة الأولى من هذا القرار حال التزام دراستها بحيث تمثل كل منهما نسبة ١٠٪ من درجات المجموع الكلي للطالب بجانب المواد التي يقوم بدراستها والامتحان بها، وبحيث يكون مجموع درجات المادتين الدراسيتين سالفتي الذكر يمثل نسبة ٢٠٪ من مجموع الدرجات التي يحصل عليها الطالب حال التزام دراستهما معًا.» وتنص المادة الثالثة من نفس القرار أن كافة المدارس المشار إليها بالمادة الأولى من هذا القرار ملزمة بتدريس مواد اللغة العربية والتاريخ والتربية الدينية في كافة المراحل التعليمية من الصف العاشر وحتى الصف الثاني عشر أو نهاية المرحلة الثانوية أو ما يعادلهم، وذلك طبقًا للمحتويات الدراسية المحددة من قبل الوزارة والتي يصدر بها نشرة منفصلة بهذا الشأن.
وجاء نص المادة الرابعة «يجب أن يتضمن المجموع الكلي للشهادة الدولية المعادلة لشهادة الثانوية العامة المصرية على درجات مادتي اللغة العربية والتاريخ بنسبة ١٠٪ لكل مادة دراسية منهما بحيث يمثلان نسبة ٢٠٪ من المجموع الكلي لدرجات الشهادة التي يحصل عليها الطالب، على أن تكون تلك الدرجات عن طريق امتحان عام تنظمه وزارة التربية والتعليم والتعليم الفني.
وبالنسبة لشهادة الدبلومة الأمريكية فيتم احتساب درجات الشهادة على ٤٠٪ GPA و٤٠٪ الاختبارات النهائية الدولية الأمريكية و٢٠٪ تحتسب من المجموع الكلي لامتحان اللغة العربية والتاريخ».
وتنص المادة الخامسة «يلتزم كافة الطلاب المصريين الحاصلين على شهادة دولية معادلة للثانوية العامة سواء حصل عليها داخل أو خارج جمهورية مصر العربية بالتقدم للامتحان في مادتي اللغة العربية والتاريخ اللذين تعقدهما الوزارة، وتحتسب درجاتهما ضمن المجموع الاعتباري للطالب وتحتسب ضمن مجموع الدرجات الحاصل عليها الطالب وبنفس ذات القواعد والنسب المقررة بالمادة الرابعة من هذا القرار».
وتؤكد المادة السادسة من القرار على أن نصوصه تسري على كافة الطلاب الملتحقين بمرحلة رياض الأطفال (كي جي وان) وحتى الصف التاسع أو ما يعادلهما اعتبارًا من العام الدراسي ٢٠٢٤ / ٢٠٢٥، كما يسري وتطبق أحكامه على الطلاب المقيدين بالصف العاشر أو ما يعادله اعتبارًا من العام الدراسي ٢٠٢٥ / ٢٠٢٦.
هذه المواد أصبحت تُلزم المدارس الدولية بأن تكون مادتي اللغة العربية والدراسات الاجتماعية ضمن مجموع الطالب، وكانت قبل ذلك مواد خارج المجموع بالنسبة لطلاب المدارس الدولية.
أولياء أمور طلاب المدارس الدولية وأزمة النتائج
حالة من السخط سادت بين أولياء أمور طلاب المدارس الدولية عقب الإعلان عن نتائج مواد الهوية القومية هذا العام بسبب نسب الرسوب المرتفعة في تلك النتائج. وأكد عدد من أولياء الأمور أن النتائج التي أُعلنت قد لا تعبر عن مستويات أبنائهم في باقي المواد الدراسية، مطالبين بإعادة النظر فيها؛ بل إن بعض أولياء الأمور طالبوا بإعادة النظر في تطبيق القرار الوزاري رقم (١٤٨) لسنة ٢٠٢٤، أو أن يكون هناك تدرج في تطبيق عملية الامتحانات الخاصة بمواد الهوية القومية على طلاب المدارس الدولية.
ووصف بعض أولياء الأمور أن نسب الرسوب في تلك المواد مرعبة، وأن الأمر له تأثيرات سلبية على أبنائهم الطلاب، لافتين إلى أنهم تحملوا أعباء تعليم أبنائهم في تلك النوعية من المدارس دون أن يحملوا الدولة أعباء إضافية بتوفير أماكن دراسية في المدارس الحكومية، ورغبة منهم في أن يوفروا لأبنائهم فرص تعليمية أفضل؛ ولكن النتائج التي تم إعلانها في مواد الهوية القومية كان صادقًا لهم، على حد تعبير بعض أولياء الأمور.
ولفت عدد من أولياء أمور طلاب المدارس الدولية إلى أن بعض حالات الرسوب جاءت بفارق درجات كان من الممكن أن تدخل ضمن حيز درجات الرأفة، حيث وصل في بعض الحالات إلى نصف درجة فقط، وهو ما أثار حالة من الإحباط بين الطلاب وأسرهم، خاصة في ظل ما وصفوه بتفاوت النتائج مع المستويات الدراسية المعتادة للطلاب وسجلاتهم الأكاديمية السابقة.
وطالب أولياء الأمور بمراجعة آليات التصحيح والتقدير، مؤكدين على دعمهم الكامل لتوجهات الدولة ممثلة في وزارة التربية والتعليم بالاهتمام بتدريس مواد الهوية القومية لما تمثله من أهمية كبرى في تعزيز الانتماء الوطني وترسيخ القيم الثقافية واللغوية لدى الطلاب.
المدارس الدولية: مناهج الهوية ركيزة أساسية
في سياق متصل، أكد بعض أصحاب المدارس الدولية على دعمهم وتأييدهم لضرورة أن يتعلم الطلاب مواد الهوية القومية، مشيرين إلى أن المدارس الدولية تضم نحو ٤٤ ألف طالب وطالبة على مستوى الجمهورية من إجمالي نحو ٢٧ مليون طالب أي أن نسبة طلاب المدارس الدولية بالنسبة لإجمالي عدد الطلاب في مرحلة التعليم قبل الجامعي لا تزيد عن ١.٥ في الألف وهي نسبة قليلة جدا قياسًا بإجمالي عدد الطلاب على مستوى الجمهورية.
وأوضحوا أنه كان يُمكن التدرج في مسألة تدريس مناهج الهوية القومية بدلًا من المشهد الذي حدث هذا العام، بحيث أن يتم التطبيق على عامين أو ثلاثة حتى يعتاد الطلاب وأولياء أمورهم على ذلك، ثم بعدها تُطبق وزارة التربية والتعليم الشروط التي تراها مناسبة لكل حزم. وشدد أصحاب المدارس الدولية على أن موقف المدارس واضح وصريح ويتمثل في تأييدها الكامل لرؤية الدولة ممثلة في وزارة التربية والتعليم، وليس كما يُشاع من أنها تقف ضد الوزارة.
وأشاروا إلى أن الأمر فقط يحتاج إلى مرونة في عملية التطبيق من أجل الخروج بنتائج تحقق الأهداف التي تسعى وزارة التربية والتعليم إلى تحقيقها، وحتى يتآلف أولياء الأمور والطلاب مع تلك الإجراءات.






