رئيس التحرير
عصام كامل

مصر تعيد تنظيم ملف اللجوء.. لجنة دائمة تتولى استقبال الطلبات.. أولوية للفئات الأكثر احتياجًا للحماية.. وضوابط واضحة لإنهاء صفة اللاجئ.. وضمانات للتطبيق العادل

اللجوء، فيتو
اللجوء، فيتو
18 حجم الخط

حين تضيق الأرض بأهلها، وتتحول الأوطان من موطنٍ للأمن إلى ساحةٍ للخوف والاضطهاد، يصبح البحث عن ملاذٍ آمن حقًا إنسانيًا لا يقبل الجدل. 

فاللجوء لم يكن يومًا مجرد انتقال جغرافي من دولة إلى أخرى، بل كان على الدوام قصة إنسانية تجسد معاناة الإنسان في مواجهة القهر، وسعيه الدائم نحو حياةٍ تحفظ كرامته وتصون حريته. 

وبين آلام الرحيل وأمل الاستقرار، يقف اللاجئ حاملًا ذاكرة وطنٍ غادره قسرًا، وطموحًا في مستقبلٍ أكثر أمنًا وعدلًا.

وفي ظل ما يشهده العالم من أزمات سياسية ونزاعات مسلحة واضطرابات إنسانية متزايدة، برزت الحاجة إلى قواعد قانونية تنظم أوضاع اللاجئين وتكفل لهم الحماية اللازمة. 

قانون اللجوء المصري 

و اكتسب قانون اللجوء في مصر أهمية خاصة، باعتباره أحد الأطر القانونية التي تعكس التزام الدولة المصرية بمبادئ الإنسانية والعدالة، وتؤكد دورها التاريخي في احتضان من أجبرتهم الظروف على ترك أوطانهم.

 فمصر، التي كانت عبر العصور ملتقى للشعوب والحضارات، ما زالت تؤدي دورًا بارزًا في توفير الحماية للاجئين، في إطار قانوني يوازن بين احترام الحقوق الإنسانية ومتطلبات الأمن والسيادة الوطنية.

الجهة المختصة بتلقي طلبات اللجوء

وضع قانون لجوء الأجانب الجديد منظومة متكاملة لإدارة ملف اللجوء، من خلال تحديد الجهة المختصة بتلقي الطلبات والبت فيها، ووضع ضوابط منح صفة اللاجئ وإنهائها، بما يضمن تنظيم الإجراءات القانونية المتعلقة باللجوء وفق قواعد واضحة ومحددة.

وقرر القانون إنشاء لجنة مختصة تُعرف باسم “اللجنة الدائمة لشؤون اللاجئين”، تتمتع بالشخصية الاعتبارية وتتبع رئيس مجلس الوزراء، ويكون مقرها الرئيسي بمدينة القاهرة.

ووفقًا للمادة (2) من القانون، تُعد اللجنة الجهة المختصة بشؤون اللاجئين في مصر، بما يشمل إدارة المعلومات والبيانات والإحصاءات المتعلقة بأعداد اللاجئين، كما تتولى الفصل في طلبات اللجوء، والتعاون مع المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين والمنظمات الدولية المعنية، بالتنسيق مع وزارة الخارجية، فضلًا عن التنسيق مع الجهات الإدارية بالدولة لضمان توفير الدعم والرعاية والخدمات اللازمة للاجئين.

تقديم طلب اللجوء

ونصت المادة (7) على أن يقدم طالب اللجوء أو من يمثله قانونًا طلب اللجوء إلى اللجنة المختصة، التي تلتزم بالفصل فيه خلال ستة أشهر من تاريخ تقديمه إذا كان طالب اللجوء قد دخل البلاد بطريقة مشروعة، بينما تمتد المدة إلى سنة كاملة إذا كان الدخول قد تم بطريقة غير مشروعة.

ومنح القانون أولوية في دراسة وفحص طلبات اللجوء المقدمة من الأشخاص ذوي الإعاقة، والمسنين، والنساء الحوامل، والأطفال غير المصحوبين، وضحايا الاتجار بالبشر، وضحايا التعذيب أو العنف الجنسي.

وتصدر اللجنة قرارها إما بمنح طالب اللجوء صفة اللاجئ أو برفض الطلب. وفي حالة الرفض، تطلب اللجنة من الوزارة المختصة اتخاذ إجراءات إبعاد طالب اللجوء خارج البلاد، مع إعلانه بالقرار الصادر بحقه. 

كما يجوز للجنة، لحين الفصل في الطلب، أن تطلب اتخاذ ما تراه مناسبًا من تدابير وإجراءات تتعلق بطالب اللجوء مراعاةً لمقتضيات الأمن القومي والنظام العام، وذلك وفقًا لما تحدده اللائحة التنفيذية للقانون.

العودة الطوعية إلى الجنسية 

كما حددت المادة (33) من القانون حالات انتهاء صفة اللاجئ، وتشمل العودة الطوعية إلى دولة الجنسية أو دولة الإقامة المعتادة، وإعادة التوطين في دولة أخرى، والحصول على الجنسية المصرية، أو التمتع مجددًا بحماية دولة الجنسية، أو استعادة الجنسية المفقودة، أو اكتساب جنسية جديدة، أو زوال الأسباب التي أدت إلى اللجوء، إضافة إلى مغادرة مصر لمدة ستة أشهر متصلة دون عذر تقبله اللجنة المختصة.

وألزمت المادة ذاتها اللجنة المختصة بإصدار قرار انتهاء اللجوء خلال خمسة عشر يومًا من تاريخ تحقق أي من الحالات المشار إليها. وباستثناء حالتي العودة الطوعية إلى دولة الجنسية أو الإقامة، والحصول على الجنسية المصرية، تطلب اللجنة من الجهة المختصة إبعاد اللاجئ خارج البلاد عقب صدور قرار انتهاء اللجوء.

اللائحة التنفيذية للقانون 

رحّب محمد أنور السادات، نائب رئيس المجلس القومي لحقوق الإنسان، بصدور اللائحة التنفيذية لقانون لجوء الأجانب رقم 164 لسنة 2024، مؤكدًا أنها تمثل خطوة مهمة لاستكمال الإطار التشريعي والمؤسسي المنظم لملف اللجوء في مصر، وتعكس توجهًا نحو تعزيز الحوكمة القانونية والإدارية بما يحقق التوازن بين اعتبارات السيادة الوطنية ومتطلبات الحماية الإنسانية.

وأوضح السادات أن اللائحة التنفيذية تنقل أحكام القانون إلى آليات وإجراءات عملية واضحة، بما يعزز التقنين القانوني لطالبي اللجوء ويضمن تنظيم إجراءات التسجيل والفحص والبت في الطلبات وفق مبادئ العدالة والشفافية وسيادة القانون.

وأشار إلى أن نجاح المنظومة الجديدة يرتبط بقدرتها على تحقيق التوازن بين متطلبات الأمن القومي والالتزامات الحقوقية والإنسانية، مؤكدًا أهمية الدور الذي ستضطلع به اللجنة الدائمة لشؤون اللاجئين في تطبيق القانون واللائحة التنفيذية بما يتوافق مع الدستور المصري والاتفاقيات الدولية ذات الصلة، وبما يكفل احترام مبادئ الحماية الدولية، وفي مقدمتها مبدأ عدم الإعادة القسرية وضمان دراسة طلبات اللجوء بصورة عادلة وموضوعية.

وأضاف أن ملف اللجوء أصبح قضية ترتبط ارتباطًا وثيقًا بحقوق الإنسان والتنمية والاستقرار المجتمعي، ما يتطلب وجود سياسات وتشريعات قادرة على حماية الفئات المستحقة للحماية الدولية

وأكد السادات أن مصر قدمت على مدار عقود نموذجًا إنسانيًا في استضافة اللاجئين وطالبي اللجوء من مختلف الجنسيات، من خلال إتاحة العديد من الخدمات الأساسية لهم، بما يعكس احترام الكرامة الإنسانية وعدم التمييز.

وشدد السادات على أنه حتى لو كان هناك تحفظات من بعض الخبراء على القانون واللائحة فإن العبرة بالتطبيق العملي للقانون، حيث إن المراجعة والتقييم المستمر وتصحيح أي ثغرات تظهر أثناء التنفيذ وارد في المراحل القادمة، لأن نجاح أي تشريع يقاس بمدى انعكاسه على الواقع العملي وتحقيقه للحماية الفعلية للفئات المستهدفة.

واختتم  بأن القانون واللائحة التنفيذية يمثلان تطورًا مهمًا في بناء منظومة وطنية لإدارة اللجوء وفق مبادئ حقوق الإنسان وسيادة القانون، بما يعكس التزام مصر بمسؤولياتها الدولية والإنسانية.

الجريدة الرسمية